تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
تسمع للماء كصوت المسحل * بين وريديها وبين الجحفل " 1 "
وقال آخر : [ من الرجز ] والحشو من حفّانها كالحنظل " 2 " فأجرى " الحفّان " على صغار الإبل ، وهو موضوع لصغار النعام ، وقال الآخر : [ من المتقارب ]
فبتنا جلوسا لدى مهرنا * ننزّع من شفتيه الصّفارا " 3 "
فاستعمل " الشفة " في الفرس ، وهي موضوعة للإنسان . فهذا ونحوه لا يفيدك شيئا ، لو لزمت الأصليّ لم يحصل لك ، فلا فرق من جهة المعنى بين قوله " من شفتيه " وقوله " من جحفلتيه " لو قاله ، إنما يعطيك كلا الاسمين العضو المعلوم فحسب ، بل الاستعارة هاهنا بأن تنقصك جزءا من الفائدة أشبه ، وذلك أنّ الاسم في هذا النحو ، إذا نفيت عن نفسك دخول الاشتراك عليه بالاستعارة ، دلّ ذكره على العضو وما هو منه ، فإذا قلت " الشفة " دلّ على الإنسان ، أعني يدلّ على أنك قصدت هذا العضو من الإنسان دون غيره ، فإذا توهمت جري الاستعارة في الاسم ، زالت عنها هذه الدلالة بانقلاب اختصاصها إلى الاشتراك . فإذا قلت " الشفة " في موضع قد جرى فيه ذكر الإنسان والفرس ، دخل على السامع بعض الشبهة ، لتجويزه أن تكون استعرت الاسم للفرس ، ولو فرضنا أن تعدم هذه الاستعارة من أصلها وتحظر ، لما كان لهذه الشبهة طريق على المخاطب ، فاعرفه . وأمّا " المفيد " فقد بان لك باستعارته فائدة ومعنى من المعاني وغرض من الأغراض ، لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك . وجملة تلك الفائدة وذلك الغرض " التشبيه " ، إلا أنّ طرقه تختلف حتى تفوت النهاية ، ومذاهبه تتشعب حتى لا غاية ، ولا يمكن الانفصال " 4 " منه إلا بفصول جمّة ، وقسمة بعد قسمة . وأنا أرى أن
هامش
( 1 ) لأبي النجم العجلي في ديوانه ، وفي الطرائف الأدبية للراجكوتي - رحمه اللّه - في لاميته المشهورة . والمسحل : حمار الوحش ، سمّي باسم سحيله وهو صوت نهاقه . ( 2 ) الرجز من لامية أبي النجم في صفة الإبل أيضا ، وحشو الإبل وحاشيتها صغارها . ( 3 ) البيت من شعر أبي دؤاد الإيادي يصف فرسا في ديوانه ، وفي الأصمعيات رقم : 66 ، وفي المعاني الكبير لابن قتيبة . والصّفار : بفتح الصاد ، وهو يبيس البهمى ، وهو من أحرار البقول ترعاه الإبل ، ويخرج لها إذا يبست شوك ، إذا وقع في أنوف الإبل والخيل والغنم أنفت منه حتى ينزعه الناس من أفواهها وأنوفها . ( 4 ) وفي نسخة : الانتصاف ، بدل الانفصال .