تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا كلام في ذكر المجاز وفي بيان معناه وحقيقته

" المجاز " " مفعل " من " جاز الشيء يجوزه " ، إذا تعدّاه . وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة ، وصف بأنه " مجاز " ، على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصليّ ، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أوّلا . ثمّ اعلم بعد أنّ في إطلاق " المجاز " على اللفظ المنقول عن أصله شرطا ، وهو أن يقع نقله على وجه لا يعرى معه من ملاحظة الأصل . ومعنى " الملاحظة " ، أن الاسم يقع لما تقول إنه مجاز فيه ، بسبب بينه وبين الذين تجعله حقيقة فيه ، نحو أن " اليد " تقع للنعمة ، وأصلها الجارحة ، لأجل أن الاعتبارات اللغوية تتبع أحوال المخلوقين وعاداتهم ، وما يقتضيه ظاهر البنية وموضوع الجبلّة ، ومن شأن النعمة أن تصدر عن " اليد " ، ومنها تصل إلى المقصود بها ، والموهوبة هي منه . وكذلك الحكم إذا أريد باليد القوة والقدرة ، لأن القدرة أثر ما يظهر سلطانها في اليد ، وبها يكون البطش والأخذ والدفع والمنع والجذب والضرب والقطع ، وغير ذلك من الأفاعيل التي تخبر فضل إخبار عن وجوه القدرة ، وتنبئ عن مكانها ، ولذلك تجدهم لا يريدون باليد شيئا لا ملابسة بينه وبين هذه الجارحة بوجه . ولوجوب اعتبار هذه النكتة في وصف اللّفظ بأنه " مجاز " ، لم يجز استعماله في الألفاظ التي يقع فيها اشتراك من غير سبب يكون بين المشتركين ، كبعض الأسماء المجموعة في الملاحن ، مثل أن " الثّور " يكون اسما للقطعة الكبيرة من الأقط " 1 " ، و " النهار " اسم لفرخ الحبارى ، و " الليل " ، لولد الكروان ، كما قال : [ من المتقارب ]
أكلت النّهار بنصف النّهار * وليلا أكلت بليل بهيم " 2 "
هامش
( 1 ) الأقط : شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل ، والقطعة منه أقطة ، وقيل : هو من ألبان الإبل خاصة . اللسان ( أقط ) . ( 2 ) البيت لم أعثر على قائله ، وهو في اللسان بغير نسبة ( ليل ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 278 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني