تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
أفناه قيل اللّه للشمس اطلعي * حتّى إذا وأراك أفق فارجعي " 1 "
فبيّن أن الفعل للّه تعالى ، وأنه المعيد والمبدي ، والمنشئ والمفني ، لأنّ المعنى في " قيل اللّه " ، أمر اللّه ، وإذا جعل الفناء بأمره فقد صرّح بالحقيقة وبيّن ما كان عليه من الطريقة . واعلم أنه لا يصحّ أن يكون قول الكفّار :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
، ومن باب التأويل والمجاز ، وأن يكون الإنكار عليهم من جهة ظاهر اللفظ ، وأنّ فيه إيهاما للخطأ . كيف ؟ وقد قال تعالى بعقب الحكاية عنهم :
وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
[ سورة الجاثية : 24 ] ، والمتجوّز أو المخطئ في العبارة لا يوصف بالظن ، إنّما الظانّ من يعتقد أن الأمر على ما قاله وكما يوجبه ظاهر كلامه . وكيف يجوز أن يكون الإنكار من طريق إطلاق اللفظ دون إثبات الدهر فاعلا للهلاك ، وأنت ترى في نصّ القرآن ما جرى فيه اللفظ على إضافة فعل الهلاك إلى الريح مع استحالة أن تكون فاعلة ، وذلك قوله عز وجل :
" مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
[ آل عمران : 117 ] ، وأمثال ذلك كثير ؟ ومن قدح في المجاز ، وهمّ أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ، ويهرف بما لا يخفى . ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به ، حتى تحصّل ضروبه ، وتضبط أقسامه ، إلا للسلامة من مثل هذه المقالة ، والخلاص ممّا نحا نحو هذه الشّبهة ، لكان من حقّ العاقل أن يتوفّر عليه ، ويصرف العناية إليه ، فكيف وبطالب الدّين حاجة ماسّة إليه من جهات يطول عدّها ، وللشيطان من جانب الجهل به مداخل خفيّة يأتيهم منها ، فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون ، ويلقيهم في الضلالة من حيث ظنّوا أنهم يهتدون ؟ وقد اقتسمهم البلاء فيه من جانبي الإفراط والتفريط ، فمن مغرور مغرى بنفيه دفعة ، والبراءة منه جملة ، يشمئزّ من ذكره ، وينبو عن اسمه ، يرى أن لزوم الظواهر فرض لازم ، وضرب الخيام حولها حتم واجب ، وآخر يغلو فيه ويفرط ، ويتجاوز حدّه ويخبط ، فيعدل عن الظاهر والمعنى عليه ، ويسوم نفسه التعمّق في التأويل ولا سبب يدعو إليه .
هامش
( 1 ) البيت لأبي النجم أيضا ، وهو يعقب الأبيات السابقة فانظره في الإيضاح بتحقيق د . هنداوي ، والمفتاح كذلك بتحقيقنا والبيت في نفس المصادر السابقة فارجع لها إن شئت . وأفناه : قيل الضمير لجذب ، وقيل : لشعر رأسه ، وقيل : لأبي النجم وهو المناسب لما بعده ، وقيل اللّه : أمره . خزانة الأدب 1 / 365 .