تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
يرغب عن ذكره لسخفه ، وإنما غرضي بما ذكرت أن أريك عظم الآفة في الجهل بحقيقة المجاز وتحصيله ، وأن الخطأ فيه مورّط صاحبه ، وفاضح له ، ومسقط قدره ، وجاعله ضحكة يتفكّه به ، وكاسيه عارا يبقى على وجه الدهر ، وفي مثل هذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين " " 1 " ، وليس حمله روايته وسرد ألفاظه ، بل العلم بمعانيه ومخارجه ، وطرقه ومناهجه ، والفرق بين الجائز منه والممتنع ، والمنقاد المصحب ، والنّابي النافر . وأقلّ ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفة الأولى ، وهم المنكرون للمجاز ، أن التنزيل كما لم يقلب اللغة في أوضاعها المفردة عن أصولها ، ولم يخرج الألفاظ عن دلالتها ، وأنّ شيئا من ذلك إن زيد إليه ما لم يكن قبل الشرع يدلّ عليه ، أو ضمّن ما لم يتضمّنه أتبع ببيان من عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك كبيانه للصلاة والحج والزكاة والصوم . كذلك لم يقض بتبديل عادات أهلها ، ولم ينقلهم عن أساليبهم وطرقهم ، ولم يمنعهم ما يتعارفونه من التشبيه والتمثيل والحذف ، والاتساع . وكذلك كان من حق الطائفة الأخرى أن تعلم ، أنه عزّ وجلّ لم يرض لنظم كتابه الذي سمّاه هدى وشفاء ، ونورا وضياء ، وحياة تحيا بها القلوب ، وروحا تنشرح عنه الصدور ما هو عند القوم الذين خوطبوا به خلاف البيان ، وفي حدّ الإغلاق والبعد من التبيان ، وأنه تعالى لم يكن ليعجز بكتابه من طريق الإلباس والتعمية ، كما يتعاطاه الملغز من الشعراء والمحاجي من الناس ، كيف وقد وصفه بأنه عربيّ مبين ؟ هذا ، وليس التعسّف الذي يرتكبه بعض من يجهل التأويل من جنس ما يقصده أولو الألغاز وأصحاب الأحاجي ، بل هو شيء يخرج عن كلّ طريق ، ويباين كلّ مذهب ، وإنما هو سوء نظر منهم ، ووضع للشيء في غير موضعه ، وإخلال بالشريطة ، وخروج عن القانون ، وتوهّم أن المعنى إذا دار في نفوسهم ، وعقل من تفسيرهم ، فقد فهم من لفظ المفسّر ، وحتى كأنّ الألفاظ تنقلب عن سجيّتها ، وتزول عن موضوعها ، فتحتمل ما ليس من شأنها أن تحتمله ، وتؤدّي ما لا يوجب حكمها أن تؤدّيه .
هامش
( 1 ) المراد بالغالين : المبتدعة ، وبالمبطلين الذين يتعمدون الباطل وينتحلون من كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ما يؤيد باطلهم . ( رشيد ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 277 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني