تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
يصلح له ، فذكرها في أقسام البديع يقتضي أن كل موصوف بأنه مجاز ، فهو بديع عندهم ، حتى يكون إجراء " اليد " على النعمة بديعا ، وتسمية البعير " حفضا " ، والناقة " نابا " ، والربيئة " عينا " ، والشاة " عقيقة " ، بديعا كله ، وذلك بيّن الفساد . وأمّا ما تجده في كتب اللغة من إدخال ما ليس طريق نقله التشبيه في الاستعارة ، كما صنع أبو بكر بن دريد في الجمهرة ، فإنه ابتدأ بابا فقال : " باب الاستعارات " ثم ذكر فيه : أن " الوغى " اختلاط الأصوات في الحرب ، ثم كثر وصارت الحرب " وغى " ، وأنشد " 1 " : [ من السريع ]
إضمامة من ذودها الثّلاثين * لها وغى مثل وغى الثّمانين
يعني اختلاط أصواتها وذكر قولهم : " رعينا الغيث والسّماء " ، يعني المطر وذكر ما هو أبعد من ذلك فقال : " الخرس " ، ما تطعمه النّفساء ، ثم صارت الدّعوة للولادة " خرسا " و " الإعذار " الختان ، وسمّي الطعام للختان إعذارا وأن " الظعينة " أصلها المرأة في الهودج ، ثم صار البعير والهودج ظعينة و " الخطر " ضرب البعير بذنبه جانبي وركيه ، ثم صار ما لصق من البول بالوركين خطرا ، وذكر أيضا " الرّاوية " بمعنى المزادة ، و " العقيقة " . وذكر فيما بين ذكره لهذه الكلم أشياء هي استعارة على الحقيقة ، على طريقة أهل الخطابة ونقد الشعر ، لأنه قال : " الظمأ " ، العطش وشهوة الماء ، ثم كثر ذلك حتى قالوا : " ظمئت إلى لقائك " ، وقال : " الوجور " ما أوجرته الإنسان من دواء أو غيره ، ثم قالوا : " أوجره الرمح " ، إذا طعنه في فيه . فالوجه في هذا الذي رأوه من إطلاق " الاستعارة " على ما هو تشبيه ، كما هو شرط أهل العلم بالشعر ، وعلى ما ليس من التشبيه في شيء ، ولكنه نقل اللفظ عن الشيء إلى الشيء بسبب اختصاص وضرب من الملابسة بينهما ، وخلط أحدهما بالآخر أنهم كانوا نظروا إلى ما يتعارفه الناس في معنى العاريّة ، وأنها شيء حوّل عن مالكه ونقل عن مقرّه الذي هو أصل في استحقاقه ، إلى ما ليس بأصل ، ولم يراعوا عرف القوم . ووزانهم في ذلك وزان من يترك عرف النحويين في " التمييز " ، واختصاصهم له بما احتمل أجناسا مختلفة كالمقادير والأعداد وما شاركهما ، في أن
هامش
( 1 ) البيت ذكره ابن دريد في جمهرة اللغة ص 1255 ، وأسرار البلاغة ص 400 . وإضمامة : جماعة من الناس ليس أصلهم واحدا ، ولكنهم لفيف والجمع الأضاميم .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 281 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني