تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
أمّا التفريط ، فما تجد عليه قوما في نحو قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 210 ] ، وقوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
[ الفجر : 22 ] ، و :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] ، وأشباه ذلك من النّبوّ عن أقوال أهل التحقيق . فإذا قيل لهم : " الإتيان " و " المجيء " انتقال من مكان إلى مكان ، وصفة من صفات الأجسام ، وأن " الاستواء " إن حمل على ظاهره لم يصحّ إلّا في جسم يشغل حيّزا ويأخذ مكانا ، واللّه عز وجل خالق الأماكن والأزمنة ، ومنشئ كل ما تصحّ عليه الحركة والنّقلة ، والتمكن والسكون ، والانفصال والاتصال ، والمماسّة والمحاذاة ، وأن المعنى على : " إلّا أن يأتيهم أمر اللّه " و " جاء أمر ربك " ، وأنّ حقه أن يعبّر بقوله تعالى :
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
[ الحشر : 2 ] ، وقول الرجل : " آتيك من حيث لا تشعر " ، يريد أنزل بك المكروه ، وأفعل ما يكون جزاء لسوء صنيعك ، في حال غفلة منك ، ومن حيث تأمن حلوله بك . وعلى ذلك قوله : [ من الطويل ]
أتيناهم من أيمن الشّقّ عندهم * ويأتي الشقيّ الحين من حيث لا يدري
نعم ، إذا قلت ذلك للواحد منهم ، رأيته إن أعطاك الوفاق بلسانه ، فبين جنبيه قلب يتردّد في الحيرة ويتقلّب ، ونفس تفرّ من الصواب وتهرب ، وفكر واقف لا يجيء ولا يذهب ، يحضره الطبيب بما يبرئه من دائه ، ويريه المرشد وجه الخلاص من عميائه ، ويأبى إلا نفارا عن العقل ، ورجوعا إلى الجهل ، لا يحضره التوفيق بقدر ما يعلم به أنه إذا كان لا يجري في قوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] ، على الظاهر ، لأجل علمه أن الجماد لا يسأل مع أنه لو تجاهل متجاهل فادّعى أن اللّه تعالى خلق الحياة في تلك القرية حتى عقلت السؤال ، وأجابت عنه ونطقت ، لم يكن قال قولا يكفر به ، ولم يزد على شيء يعلم كذبه فيه فمن حقّه أن لا يجثم هاهنا على الظاهر ، ولا يضرب الحجاب دون سمعه وبصره حتى لا يعي ولا يراعى ، مع ما فيه ، إذا أخذ على ظاهره ، من التعرض للهلاك والوقوع في الشرك . فأمّا الإفراط ، فما يتعاطاه قوم يحبّون الإغراب في التأويل ، ويحرصون على تكثير الوجوه ، وينسون أن احتمال اللفظ شرط في كل ما يعدل به عن الظاهر ، فهم يستكرهون الألفاظ على ما لا تقلّه من المعاني ، يدعون السليم من المعنى إلى السقيم ، ويرون الفائدة حاضرة قد أبدت صفحتها وكشفت قناعها ، فيعرضون عنها حبّا للتشوّف ، أو قصدا إلى التمويه وذهابا في الضلالة . وليس القصد هاهنا بيان ذلك فأذكر أمثلته ، على أن كثيرا من هذا الفنّ مما
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 276 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني