تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
كل فعل دلّ على معنى يفعله الإنسان في نفسه نحو : " قام " و " قعد " . إذا قلت : " قام زيد " ، فقد أثبتّ القيام فعلا له من حيث تقول : " فعل القيام " و " أمرته بأن يفعل القيام " ، وأثبتّه أيضا وصفا له من حيث أن تلك الهيئة موجودة فيه ، وهو في اكتسابه لها كالشخص المنتصب ، والشجرة القائمة على ساقها التي توصف بالقيام ، لا من حيث كانت فاعلة له ، بل من حيث كان وصفا موجودا فيها . وإذ قد عرفت هذا الأصل ، فها هنا أصل آخر يدخل في غرضنا : وهو أن الأفعال على ضربين : " متعدّ " و " غير متعدّ " ، فالمتعدّي على ضربين : ضرب يتعدّى إلى شيء هو مفعول به ، كقولك : " ضربت زيدا " ، " زيدا " مفعول به ، لأنك فعلت به الضرب ولم يفعله بنفسه . وضرب يتعدّى إلى شيء هو مفعول على الإطلاق ، وهو في الحقيقة " كفعل " وكلّ ما كان مثله في كونه عامّا غير مشتقّ من معنى خاصّ " كصنع ، وعمل ، وأوجد ، وأنشأ " . ومعنى قولي : " من معنى خاصّ " أنه ليس " كضرب " الذي هو مشتقّ من " الضرب " أو " أعلم " الذي هو مأخوذ من العلم . وهكذا كل ما له مصدر ، ذلك المصدر في حكم جنس من المعاني . فهذا الضّرب " 1 " إذا أسند إلى شيء كان المنصوب له مفعولا لذلك الشيء على الإطلاق ، كقولك : " فعل زيد القيام " ، فالقيام مفعول في نفسه وليس بمفعول به . وأحقّ من ذلك أن تقول : " خلق اللّه الأناسيّ ، وأنشأ العالم ، وخلق الموت والحياة " ، والمنصوب في هذا كله مفعول مطلق لا تقييد فيه ، إذ من المحال أن يكون معنى : " خلق العالم " " فعل الخلق به " ، كما تقول في " ضربت زيدا " " فعلت الضرب بزيد " ، لأن " الخلق " من " خلق " " كالفعل " من " فعل " ، فلو جاز أن يكون المخلوق كالمضروب ، لجاز أن يكون المفعول في نفسه كذلك ، حتى يكون معنى : " فعل القيام " " فعل شيئا بالقيام " ، وذلك من شنيع المحال . وإذ قد عرفت هذا ، فاعلم أن الإثبات في جميع هذا الضرب أعني فيما منصوبه مفعول ، وليس مفعولا به يتعلق بنفس المفعول . فإذا قلت : " فعل زيد الضرب " ، كنت أثبتّ الضرب فعلا لزيد ، وكذلك تثبت " العالم " في قولك : " خلق اللّه العالم " ، خلقا للّه تعالى . ولا يصحّ في شيء من هذا الباب أن تثبت المفعول وصفا البتة ، وتوهّم ذلك خطأ عظيم وجهل نعوذ باللّه منه .
هامش
( 1 ) يريد بهذا الضرب نحو فعل وصنع إلخ . ( رشيد ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 260 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني