تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
الطّيب ثم قال : " الكفّ هاهنا بمعنى : السلطان والملك والقدرة ، قال : وقيل الكف هاهنا بمعنى : النعمة " . والخبر هو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " إنّ أحدكم إذا تصدّق بالتمرة من الطّيّب - ولا يقبل اللّه إلّا الطيب - جعل اللّه ذلك في كفّه ، فيربّيها كما يربّي أحدكم فلوّه " 1 " حتى يبلغ بالتمرة مثل أحد " ، ما يظنّ بمن نظر في العربية يوما أن يتوهّم أن " الكفّ " يكون على هذا الإطلاق ، وعلى الانفراد ، بمعنى السلطان والقدرة والنعمة ، ولكنه أراد المثل فأساء العبارة ، إلّا أنّ من سوء العبارة ما أثر التقصير فيه أظهر ، وضرره على الكلام أبين . واستقصاء هذا الباب لا يتمّ حتى يفرد بكلام ، والوجه الرجوع إلى الغرض . ويجب أن تعلم قبل ذلك أنّ خلاف من خالف في " اليد " و " اليمين " ، وسائر ما هو مجاز لا من طريق التشبيه الصريح أو التمثيل ، لا يقدح فيما قدّمت من حدّث الحقيقة والمجاز ، لأنه لا يخرج في خلافه عن واحد من الاعتبارين ، فمتى جعل " اليمين " على انفرادها تفيد القوة ، فقد جعلها حقيقة ، وأغناها عن أن تستند في دلالتها إلى شيء وإن اعترف بضرب من الحاجة إلى الجارحة والنظر إليها ، فقد وافق في أنها مجاز . وكذا القياس في الباب كله ، فاعرفه .

فصل " في المجاز العقلي والمجاز اللغوي والفرق بينهما "

والذي ينبغي أن يذكر الآن : حدّ الجملة في الحقيقة والمجاز ، إلّا أنك تحتاج أن تعرف في صدر القول عليها ومقدّمته أصلا ، وهو المعنى الذي من أجله اختصّت الفائدة بالجملة ، ولم يجز حصولها بالكلمة الواحدة ، كالاسم الواحد ، والفعل من غير اسم يضمّ إليه . والعلّة في ذلك أن مدار الفائدة في الحقيقة على الإثبات والنفي ، ألا ترى أن " الخبر " أوّل معاني الكلام وأقدمها ، والذي تستند سائر المعاني إليه وتترتّب عليه ؟ وهو ينقسم إلى هذين الحكمين . وإذا ثبت ذلك ، فإن الإثبات يقتضي مثبتا ومثبتا له ، نحو أنك إذا قلت " ضرب زيد " أو " زيد ضارب " ، فقد أثبتّ الضرب فعلا أو وصفا لزيد وكذلك النفي يقتضي منفيّا ومنفيّا عنه ، فإذا قلت : " ما ضرب زيد " و " ما زيد ضارب " ، فقد نفيت الضرب عن زيد وأخرجته عن أن يكون فعلا له . فلما
هامش
( 1 ) الفلوّ والفلوّ : المهر الصغير أو الجحش إذا فطما ، وجمعه : أفلاء .