تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
بحياة حياة على التشبيه ، فأما نفس الإثبات فمحض الحقيقة ، لأنه إثبات لما ضرب الحياة مثلا له فعلا للّه تعالى ، لا حقيقة أحقّ من ذلك . وقد يتصوّر أن يدخل المجاز الجملة من الطريقين جميعا . وذلك أن يشبّه معنى بمعنى وصفة بصفة ، فيستعار لهذه اسم تلك ، ثم تثبت فعلا لما لا يصحّ الفعل منه ، أو فعل تلك الصفة ، فيكون أيضا في كل واحد من الإثبات والمثبت مجاز ، كقول الرجل لصاحبه : " أحيتني رؤيتك " ، يريد : آنستني وسرّتني ونحوه ، فقد جعل الأنس والمسرّة الحاصلة بالرؤية حياة أوّلا ، ثم جعل الرؤية فاعلة لتلك الحياة . وشبيه به قول المتنبي " 1 " : [ من الطويل ]
وتحيي له المال الصّوارم والقنا * ويقتل ما يحيي التّبسّم والجدا
جعل الزيادة والوفور حياة في المال ، وتفريقه في العطاء قتلا ، ثم أثبت الحياة فعلا للصوارم ، والقتل فعلا للتبسم ، مع العلم بأنّ الفعل لا يصحّ منهما . ونوع منه : " أهلك النّاس الدينار والدرهم " ، جعل الفتنة هلاكا على المجاز ، ثم أثبت الهلاك فعلا للدينار والدرهم ، وليسا مما يفعلان ، فاعرفه . وإذ قد تبيّن لك المنهاج في الفرق بين دخول المجاز في الإثبات ، وبين دخوله في المثبت ، وبين أن ينتظمهما عرفت الصورة في الجميع ، فاعلم أنه إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل ، وإذا عرض في المثبت فهو متلقّى من اللغة ، فإن طلبت الحجّة على صحة هذه الدّعوى ، فإنّ فيما قدّمت من القول ما يبيّنها لك ، ويختصر لك الطريق إلى معرفتها . وذلك أن الإثبات إذا كان من شرطه أن يقيّد مرّتين كقولك : " إثبات شيء لشيء " ، ولزم من ذلك أن لا يحصل إلا بالجملة التي هي تأليف بين حديث ومحدّث عنه ، ومسند ومسند إليه ، علمت أن مأخذه العقل ، وأنه القاضي فيه دون اللغة ، لأن اللغة لم تأت لتحكم بحكم أو لتثبت وتنفى ، وتنقض وتبرم . فالحكم بأن الضّرب
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه ص 124 من قصيدة يمدح بها سيف الدولة ويهنئه بعيد الأضحى ، مطلعها :لكلّ امرئ من دهره ما تعودا * وعادة سيف الدولة الطعن في العداانظر البيت في الإيضاح بتحقيق د . عبد الحميد هنداوي ، وشرح التبيان للعكبري 1 / 195 ، والإشارات والتنبيهات ص 26 . والصوارم : السيوف ، والقنا : جمع قناة وهي الرمح ، والجدا : العطاء والجدا مقصور الجدوى ، والجدا : المطر العام والمعنى الأول هو الأنسب للبيت ، وقد ذكره شارح ديوانه ، إذ لا محل لكونه بمعنى المطر هنا ويثبته أيضا تعليق الخطيب بعده .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 263 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني