وقوله " 1 " : [ من المتقارب ]
أشاب الصغير وأفنى الكبي * ر كرّ الغداة ومرّ العشي
المجاز واقع في إثبات الشيب فعلا للأيام ولكرّ الليالي ، وهو الذي أزيل عن موضعه الذي ينبغي أن يكون فيه ، لأن من حق هذا الإثبات ، أعني إثبات الشّيب فعلا ، أن لا يكون إلا مع أسماء اللّه تعالى ، فليس يصحّ وجود الشيب فعلا لغير القديم سبحانه . وقد وجّه في البيتين كما ترى إلى الأيام وكرّ الليالي ، وذلك ما لا يثبت له فعل بوجه ، لا الشيب ولا غير الشيب . وأما المثبت فلم يقع فيه مجاز ، لأنه الشيب وهو موجود كما ترى .
وهكذا إذا قلت : " سرّني الخبر " و " سرّني لقاؤك " ، فالمجاز في الإثبات دون المثبت ، لأن المثبت هو " السرور " ، وهو حاصل على حقيقته .
ومثال ما دخل المجاز في مثبته دون إثباته ، قوله عز وجل :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] ، وذلك أن المعنى - واللّه أعلم - على أن جعل العلم والهدى والحكمة حياة للقلوب ، على حدّ قوله عز وجل :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
[ الشورى : 52 ] ، فالمجاز في المثبت وهو " الحياة " ، فأما الإثبات فواقع على حقيقته ، لأنه ينصرف إلى أن الهدى والعلم والحكمة فضل من اللّه وكائن من عنده .
ومن الواضح في ذلك قوله عز وجل :
فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ فاطر : 9 ] ، وقوله :
إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى
[ فصلت : 39 ] ، جعل خضرة الأرض ونضرتها وبهجتها بما يظهره اللّه تعالى فيها من النّبات والأنوار والأزهار وعجائب الصنع ، حياة لها ، فكان ذلك مجازا في المثبت ، من حيث جعل ما ليس
هامش
( 1 ) البيت للصلتان العبدي وهو في الكامل بتحقيق د . عبد الحميد هنداوي 3 / 25 ، والبيت جاء ضمن عدة أبيات له في الشعر والشعراء ومنها :إذا ليلة هرّمت يومها * أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا * وحاجة من عاش لا تنقضيوهو من الشعر المستحسن له وجاءت الأبيات عنه في خزانة الأدب 1 / 308 ، وعيون الأخبار 3 / 132 ، وديوان الحماسة بشرح المرزوقي 3 / 1209 ، والحيوان 3 / 477 ، إلا أن الجاحظ نسبها للصلتان السعدي والأبيات بلا نسبة في لسان العرب ( هرم ) .