تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
أذنه ، كأنه عادم للسمع والبصر ، وداخل في العمى والصمم " ويذهب عن أنّ الرجل إذا قال : " قد غاب عني قلبي " ، و " ليس يحضرني قلبي " فإنه يريد أن يخيّل إلى السامع أنه قد فقد قلبه ، دون أن يقول : " غاب عني علمي وعزب عقلي " ، وإن كان المرجع عند التحصيل إلى ذلك ، كما أنه إذا قال : " لم أكن هاهنا " ، يريد شدّة غفلته عن الشيء ، فهو يضع كلامه على تخييل أنه كان غاب هكذا بجملته وبذاته ، دون أن يريد الإخبار بأنّ علمه لم يكن هناك . وغرضي بهذا أن أعلمك أنّ من عدل عن الطريقة في الخفيّ ، أفضى به الأمر إلى أن ينكر الجليّ ، وصار من دقيق الخطأ إلى الجليل ، ومن بعض الانحرافات إلى ترك السبيل . والذي جلب التّخليط والخبط الذي تراه في هذا الفنّ ، أنّ الفرق بين أن يكون التشبيه مأخوذا من الشيء وحده ، وبين أن يؤخذ ما بين شيئين ، وينتزع من مجموع كلام ، هو كما عرّفتك في الفرق بين الاستعارة والتمثيل باب من القول تدخل فيه الشّبهة على الإنسان من حيث لا يعلم ، وهو " 1 " من السّهل الممتنع ، يريك أن قد انقاد وبه إباء ، ويوهمك أن قد أثّرت فيه رياضتك وبه بقيّة شماس . ومن خاصّيته أنك لا تفرق فيه بين الموافق والمخالف ، والمعترف به والمنكر له ، فإنك ترى الرجل يوافقك في الشيء منه ، ويقرّ بأنه مثل ، حتى إذا صار إلى نظير له خلّط : إمّا في أصل المعنى ، وإما في العبارة . فالتخليط في المعنى كما مضى ، من تأوّل اليمين على القوة . وكذكرهم أن القلب في الآية بمعنى العقل ، ثم عدّهم ذلك وجها ثانيا . والتخليط في العبارة ، كنحو ما ذكره بعضهم في قوله " 2 " : [ من المتقارب ]
هوّن عليك فإنّ الأمور * بكفّ الإله مقاديرها
فإنه استشهد به في تأويل خبر جاء في عظم الثواب على الزكاة إذا كانت من
هامش
( 1 ) أي : الفرق بين أن يكون التشبيه مأخوذا من الشيء الواحد أو ما بين شيئين . ( رشيد ) . ( 2 ) البيت للأعور الشنّي في الدرر 4 / 139 ، وفي الإيضاح ص 275 بتحقيق د . عبد الحميد هنداوي ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 338 ، وشرح شواهد المغني 1 / 427 ، 2 / 874 ، والكتاب 1 / 64 ، ولبشر بن أبي خازم في العقد الفريد 3 / 207 ، ونسبها في كتاب العمدة إلى عمر بن الخطاب ، ونقل البغدادي عن البيهقي في الأسماء والصفات بإسناده أن عمر كان يكثر إنشادهما دون نسبة وقال البغدادي في شرح شواهد المغني : رأيتهما في ديوان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وقال الشيخ شاكر : الصواب هو الأول يقصد للأعور الشنّي .