تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
ثم انظر ، هل تجد ؟ ما كنت تجد ، إن كنت ممّن يعرف طعم الشعر ، ويفرّق بين التّفه الذي لا يكون له طعم وبين الحلو اللذيذ ؟ وممّا يبيّن ذلك من جهة العبارة : أنّ الشعر كما تعلم لمدح الرّجل بالجود والسخاء ، لأنه سأل الشمّاخ عمّا أقدمه ؟ فقال : " جئت لأمتار " ، فأوقر رواحله تمرا وأتحفه بغير ذلك . وإذا كان كذلك ، كان المجد الذي تطاول له ومدّ إليه يده ، من المجد الذي أراده أبو تمام بقوله " 1 " : [ من الوافر ]
توجّع أن رأت جسمي نحيفا * كأنّ المجد يدرك بالصّراع
ولو كان في ذكر البأس والبطش وحيث تراد القوة والشدة ، لكان حمل اليمين على صريح القوّة أشبه ، وبأن يقع منه في القلب معنى يتماسك أجدر . فإن قال : أراد تلقّاها بجدّ وقوّة رغبة ، قيل فينبغي أن يضع اليمين في مثل هذه المواضع . ومن التزم ذلك فالسكوت عنه أحسن . وما زال الناس يقولون للرجل إذا أرادوا حثّه على الأمر ، وأن يأخذ فيه بالجدّ : " أخرج يدك اليمنى ! " وذاك أنها أشرف اليدين وأقواهما ، والتي لا غناء للأخرى دونها ، فلا عني إنسان بشيء إلا بدأ بيمينه فهيّأها لنيله . ومتى ما قصدوا جعل الشيء في جهة العناية ، جعلوه في اليد اليمنى ، وعلى ذلك قول البحتري " 2 " : [ من الوافر ]
وإنّ يدي ، وقد أسندت أمري * إليه اليوم ، في يدك اليمين
" إليه " ، يعني إلى يونس بن بغا ، وكان حظيّا عند الممدوح ، وهو المعتز باللّه . ولو أن قائلا قال :
إذا ما راية رفعت لمجد * ومكرمة مددت لها اليمينا
لم تره عادلا باليمين عن الموضع الذي وضعها الشمّاخ فيه . ولو أن هذا التأويل منهم كان في قول سليمان بن قتّة العدويّ " 3 " : [ من الوافر ]
بني تيم بن مرّة إنّ ربّي * كفاني أمركم وكفاكموني
هامش
( 1 ) البيت لأبي تمام في ديوانه ص 181 ، من قصيدة قالها يمدح مهدي بن أصرم مطلعها :خذي عبرات عينك عن زماعي * وصوني ما أذلت من القناعوالزماع : الاعتزام ، كانت نساء العرب إذا أيقن بالفراق كشفن رؤوسهن وأبدين محاسنهن وبكين ليدعون بذلك إلى ترك الرحيل . ( 2 ) البيت في ديوانه فانظره . ( 3 ) الأبيات لسليمان بن قتة العدوي ، وهو مولى تيم قريش . تيم بن مرة بن كعب بن لؤي . والفرس : مصدر فرس الأسد فريسته الكسر ، قال ابن الأعرابي : الفرس أن تدقّ الرقبة قبل أن تذبح الشاة وافترس الدّابة : أخذه فدقّ عنقه . اللسان ( فرس ) . الضّغن : الحقد ، والضّغين : الرجل إذا وغر صدره ودوي ،