تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
تعاضدهم على المشركين ، لأن كلمة التوحيد جامعة لهم ، فلذلك كانوا كنفس واحدة . فهذا كله مما يعترف لك كل أحد فيه ، بأنّ " اليد " على انفرادها لا تقع على شيء ، فيتوهّم لها نقل من معنى إلى معنى على حدّ وضع الاسم واستئنافه . فأمّا ما تكون " اليد " فيه للقدرة على سبيل التلويح بالمثل دون التصريح ، حتى ترى كثيرا من الناس يطلق القول : إنها بمعنى القدرة ويجريها مجرى اللفظ يقع لمعنيين ، فكقوله تعالى :
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ الزمر : 67 ] ، تراهم يطلقون " اليمين " بمعنى : القدرة ، ويصلون إليه قول الشمّاخ " 1 " : [ من الوافر ]
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقّاها عرابة باليمين
كما فعل أبو العباس في الكامل ، فإنه أنشد البيت ثم قال : " قال أصحاب المعاني : معناه : بالقوة " ، وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى :
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
. وهذا منهم تفسير على الجملة ، وقصد إلى نفي الجارحة بسرعة ، خوفا على السامع من خطرات تقع للجهّال وأهل التشبيه جلّ اللّه وتعالى عن شبه المخلوقين ولم يقصدوا إلى بيان الطريقة والجهة التي منها يحصل على القدرة والقوة . وإذا تأمّلت علمت أنه على طريقة المثل . وكما أنّا نعلم في صدر هذه الآية وهو قوله عز وجل :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ الزمر : 67 ] ، أن محصول المعنى على القدرة ، ثم لا نستجيز أن نجعل القبضة اسما للقدرة ، بل نصير إلى القدرة من طريق التأويل والمثل ، فنقول : إنّ المعنى واللّه أعلم أن مثل الأرض في تصرّفها تحت أمر اللّه وقدرته ، وأنه لا يشذّ شيء مما فيها من سلطانه عزّ وجلّ ، مثل الشيء يكون في قبضة الآخذ له منّا والجامع يده عليه . كذلك حقّنا أن نسلك بقوله تعالى :
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
هذا المسلك ، فكأنّ المعنى - واللّه أعلم - أنه عزّ وجلّ يخلق فيها صفة الطيّ حتى ترى كالكتاب المطويّ بيمين الواحد منكم ، وخصّ " اليمين " لتكون أعلى وأفخم للمثل .
هامش
( 1 ) البيت للشماخ وهو ابن ضرار الغطفاني ، والبيت من ديوانه ص 336 ، والإيضاح 201 ، 274 بتحقيق د . عبد الحميد هنداوي ، والكامل بتحقيقنا 1 / 186 ، ولسان العرب ( عرب ) ، ( يمن ) ، وتهذيب اللغة 8 / 221 ، 5 / 523 ، وجمهرة اللغة 319 ، 994 ، وتاج العروس ( عرب ) ، ومقاييس اللغة 6 / 158 ، وقد أورده ابن جني في الخصائص في الجزء الثالث بلا نسبة . وعرابة : اسم رجل من الأنصار من الأوس .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 253 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني