تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وقع في المنسأة ، وصار كالشّريعة المنسوخة ، تأنيث الفعل في قوله " إذا فضّت خواتمها " ، ولو كان حكمه باقيا لذكّرت الفعل كما تذكّره مع الإظهار ، ولاستقصاء هذا موضع آخر . وينظر إلى هذا المكان قولهم : " ضربته سوطا " ، لأنهم عبّروا عن الضربة التي هي واقعة بالسّوط باسمه ، وجعلوا أثر السّوط سوطا . وتعلم على ذلك أن تفسيرهم له بقولهم : إن المعنى : " ضربته ضربة بسوط " ، بيان لما كان عليه الكلام في أصله ، وأنّ ذلك قد نسي ونسخ ، وجعل كأن لم يكن ، فاعرفه . وأمّا إذا أريد باليد القدرة ، فهي إذن أحنّ إلى موضعها الذي بدئت منه ، وأصبّ بأصلها ، لأنك لا تكاد تجدها تراد معها القدرة ، إلا والكلام مثل صريح ، ومعنى القدرة منتزع من " اليد " مع غيرها ، أو هناك تلويح بالمثل . فمن الصريح قولهم : " فلان طويل اليد " ، يراد : فضل القدرة ، فأنت لو وضعت القدرة هاهنا في موضع اليد أحلت ، كما أنك لو حاولت في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد قالت له نساؤه صلّى اللّه عليه وسلّم : " أيّتنا أسرع لحاقا بك يا رسول اللّه " ؟ فقال : " أطولكنّ يدا " ، يريد السخاء والجود وبسط اليد بالبذل أن تضع موضع " اليد " شيئا مما أريد بهذا الكلام ، خرجت من المعقول . وذلك أن الشّبه مأخوذ من مجموع الطويل واليد مضافا ذاك إلى هذه ، فطلبه من " اليد " وحدها طلب الشيء على غير وجهه . ومن الظاهر في كون الشبه مأخوذا ما بين " اليد " ، وغيرها قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ الحجرات : 1 ] ، المعنى : على أنهم أمروا باتّباع الأمر ، فلما كان المتقدّم بين يدي الرّجل خارجا عن صفة المتابع له ، ضرب جملة هذا الكلام مثلا للاتباع في الأمر ، فصار النّهي عن التقدّم متعلّقا باليد نهيا عن ترك الاتباع . فهذا مما لا يخفى على ذي عقل أنه لا تكون فيه " اليد " بانفرادها عبارة عن شيء ، كما قد يتوهّم أنها عبارة عن النعمة ومتناولة لها ، كالوضع المستأنف ، حتى كأن لم تكن قطّ اسم جارحة . وهكذا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمّتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم " ، المعنى : وإن كان على قولك : " وهم عون على من سواهم " ، فلا تقول : إن " اليد " بمعنى : العون حقيقة ، بل المعنى : أن مثلهم مع كثرتهم في وجوب الاتّفاق بينهم ، مثل اليد الواحدة فكما لا يتصوّر أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضا ، وأن تختلف بها الجهة في التصرف ، كذلك سبيل المؤمنين في