تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وأمّا المجاز ، فكلّ كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها ، لملاحظة بين الثاني والأوّل ، فهي مجاز وإن شئت قلت : " كلّ كلمة جزت بها ما وقعت به في وضع الواضع إلى ما لم توضع له ، من غير أن تستأنف فيها وضعا ، لملاحظة بين ما تجوّز بها إليه ، وبين أصلها الذي وضعت له فيوضع واضعها ، فهي " مجاز " . ومعنى " الملاحظة " : هو أنها تستند في الجملة إلى غير هذا الذي تريده بها الآن ، إلا أنّ هذا الاستناد يقوى ويضعف . بيانه ما مضى من أنّك إذا قلت : " رأيت أسدا " ، تريد رجلا شبيها بالأسد ، لم يشتبه عليك الأمر في حاجة الثاني إلى الأوّل . إذ لا يتصوّر أن يقع الأسد للرجل على هذا المعنى الذي أردته على التشبيه على حدّ المبالغة ، وإيهام أنّ معنى من الأسد حصل فيه إلا بعد أن تجعل كونه اسما للسبع إزاء عينيك . فهذا إسناد تعلمه ضرورة ، ولو حاولت دفعه عن وهمك حاولت محالا . فمتى عقل فرع من غير أصل ، ومشبّه من غير مشبّه به ؟ وكلّ ما طريقه التشبيه فهذا سبيله أعني : كل اسم جرى على الشيء للاستعارة ، فالاستناد فيه قائم ضرورة . وأما ما عدا ذلك ، فلا يقوى استناده هذه القوة ، حتى لو حاول محاول أن ينكره أمكنه في ظاهر الحال ، ولم يلزمه به خروج إلى المحال ، وذلك كاليد للنعمة : لو تكلّف متكلّف فزعم أنه وضع مستأنف أو في حكم لغة مفردة ، لم يمكن دفعه إلّا برفق وباعتبار خفيّ ، وهو ما قدّمت من أنّا رأيناهم لا يوقعون هذه اللفظة على ما ليس بينه وبين هذه الجارحة التباس واختصاص . ودليل آخر ، وهو أن " اليد " لا تكاد تقع للنعمة إلا وفي الكلام إشارة إلى مصدر تلك النعمة ، وإلى المولي . لها ، ولا تصلح حيث تراد النعمة مجرّدة من إضافة لها إلى المنعم أو تلويح به . بيان ذلك : أنك تقول : " اتسعت النعمة في البلد " ، ولا تقول : " اتّسعت اليد في البلد " ، وتقول : " أقتني نعمة " ، ولا تقول : " اقتني يدا " ، وأمثال ذلك تكثر إذا تأمّلت وإنما يقال : " جلّت يده عندي " ، و " كثرت أياديه لديّ " ، فتعلم أن الأصل صنائع يده وفوائده الصادرة عن يده وآثار يده . ومحال أن تكون " اليد " اسما للنعمة هكذا على الإطلاق ، ثم لا تقع موقع النعمة . لو جاز ذلك ، لجاز أن يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى ، واضعا اسمها من تلك اللغة في مواضع لا تقع النعمة فيها من لغة العرب ، وذلك محال .