ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل : " إنّ له عليه إصبعا " ، أي : أثرا حسنا ، وأنشدوا " 1 " : [ من الطويل ]
ضعيف العصا ، بادي العروق ، ترى له * عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
وأنشد شيخنا رحمه اللّه مع هذا البيت قول الآخر : [ من الرجز ] صلب العصا بالضّرب قد دمّاها أي : جعلها كالدّمى في الحسن . وكأن قوله : " صلب العصا " ، وإن كان ضدّ قول الآخر : " ضعيف العصا " ، فإنهما يرجعان إلى غرض واحد ، وهو حسن الرّعية ، والعمل بما يصلحها ويحسن أثره عليها . فأراد الأول بجعله " ضعيف العصا " أنه رفيق بها مشفق عليها ، لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها بالضرب من غير فائدة ، فهو يتخيّر ما لان من العصيّ ، وأراد الثاني أنه جيّد الضّبط لها عارف بسياستها في الرّعي ، ويزجرها عن المراعي التي لا تحمد ، ويتوخّى بها ما تسمن عليه ، ويتضمّن أيضا أنه يمنعها عن التشرّد والتبدّد وأنها ، لما عرفت من شدّة شكيمته وقوة عزيمته ، وتنساق وتستوسق في الجهة التي يريدها ، من غير أن يجدّد لها في كل حال ضربا .
وقال آخر : [ من الرجز ] صلب العصا جاف عن التّغزّل فهذا لم يبيّن ما بيّنه الآخر وأعود إلى الغرض فأنت الآن لا تشكّ أن " الإصبع " مشار بها إلى إصبع اليد ، وأن وقوعها بمعنى الأثر الحسن ، ليس على أنه وضع مستأنف في إحدى اللغتين . ألا تراهم لا يقولون :
" رأيت أصابع الدار " ، بمعنى : آثار الدار ، و " له إصبع حسنة " ، و " إصبع قبيحة " ، على معنى : أثر حسن وأثر قبيح ونحو ذلك ، وإنّما أرادوا أن يقولوا : " له عليها أثر حذق " ،
هامش
( 1 ) البيت للراعي النميري في ديوانه ص 162 ، والإيضاح ص 290 بتحقيق د . عبد الحميد هنداوي .
من قصيدة مطلعها :بني وابش إنا هوينا جواركم * وما جمعتنا نيّة قبلها معاوأجدب الناس : أي أصيبوا بالقحط ، والبيت في المدح وجعل " ضعيف العصا " كناية عن حسن الرعية وغاية الشفقة فالسائس المشفق يختار العصا اللينة وأراد بالإصبع الأثر الناتج من حسن الرعية من التسمين والتوليد . انظر اللسان ( صلب ) ، ( صبع ) ، ( عصا ) ، وتاج العروس ( صلب ) ، ( صبع ) ، ( عصا ) .