تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
كلّ كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع ، وإن شئت قلت : في مواضعة ، وقوعا لا تستند فيه إلى غيره فهي " حقيقة " . وهذه عبارة تنتظم الوضع الأوّل وما تأخّر عنه ، كلغة تحدث في قبيلة من العرب ، أو في جميع العرب ، أو في جميع الناس مثلا ، أو تحدث اليوم ويدخل فيها الأعلام منقولة كانت كزيد وعمرو ، أو مرتجلة كغطفان وكلّ كلمة استؤنف لها على الجملة مواضعة ، أو ادّعي الاستئناف فيها . وإنما اشترطت هذا كلّه ، لأنّ وصف اللّفظة بأنها حقيقة أو مجاز ، حكم فيها من حيث إنّ لها دلالة على الجملة ، لا من حيث هي عربية أو فارسية ، أو سابقة في الوضع ، أو محدثة ، مولّدة . فمن حقّ الحدّ أن يكون بحيث يجري في جميع الألفاظ الدالّة . ونظير هذا نظير أن تضع حدّا للاسم والصفة ، في أنك تضعه بحيث لو اعتبرت به لغة غير لغة العرب ، وجدته يجري فيها جريانه في العربية ، لأنك تحدّ من جهة لا اختصاص لها بلغة دون لغة . ألا ترى أن حدّك " الخبر " بأنه " ما احتمل الصدق والكذب " مما لا يخصّ لسانا دون لسان ؟ ونظائر ذلك كثيرة ، وهو أحد ما غفل عنه الناس ، ودخل عليهم اللبس فيه ، حتى ظنّوا أنه ليس لهذا العلم قوانين عقلية ، وأنّ مسائله مشبّهة باللغة ، في كونها اصطلاحا يتوهّم عليه النقل والتبديل . ولقد فحش غلطهم فيه ، وليس هذا موضع القول في ذلك . وإن أردت أن تمتحن هذا الحدّ ، فانظر إلى قولك : " الأسد " ، تريد به السّبع ، فإنك تراه يؤدّي جميع شرائطه ، لأنّك قد أردت به ما تعلم أنّه وقع له في وضع واضع اللغة . وكذلك تعلم أنه غير مستند في هذا الوقوع إلى شيء غير السّبع ، أي : لا يحتاج أن يتصوّر له أصل أدّاه إلى السبع من أجل التباس بينهما وملاحظة . وهذا الحكم إذا كانت الكلمة حادثة ، ولو وضعت اليوم ، متى كان وضعها كذلك ، وكذلك الأعلام . وذلك أنّي قلت : " ما وقعت له في وضع واضع أو مواضعة " على التنكير ، ولم أقل : " في وضع الواضع الذي ابتدأ اللغة " ، أو " في المواضعة اللغوية " ، فيتوهّم أن الأعلام أو غيرهما مما تأخّر وضعه عن أصل اللغة يخرج عنه . ومعلوم أن الرجل يواضع قومه في اسم ابنه ، فإذا سمّاه " زيدا " ، فحاله الآن فيه كحال واضع اللغة حين جعله مصدرا " لزاد يزيد " ، وسبق واضع اللغة له في وضعه للمصدر المعلوم ، لا يقدح في اعتبارنا ، لأنه يقع عند تسميته به ابنه وقوعا باتّا ، ولا تستند حاله هذه إلى السابق من حاله بوجه من الوجوه .