تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
أنف سليم قد وضع الشعر عليه حدّه فجدعه ، واسم رفيع قلب معناه حتى حطّ به صاحبه ووضعه ، كما قال : [ من الكامل ]
يا حاجب الوزراء ! إنّك عندهم * سعد ، ولكن أنت سعد الذابح
ومن العجيب في ذلك قول القائل في كثير بن أحمد : [ من مخلع البسيط ]
لو علم اللّه فيه خيرا * ما قال : " لا خير في كثير "
فانظر من أي مدخل دخل عليه ، وكيف بالهوينا هدى البلاء إليه ؟ وكثير هذا هو الذي يقول فيه الصاحب : [ من الطويل ] ومثل كثير في الزّمان قليل فقد صار الاسم الواحد وسيلة إلى الهدم والبناء ، والمدح والهجاء ، وذريعة إلى التزيين والتهجين . ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب قول ابن المعتزّ في ذمّ القمر ، واجتراؤه بقدرة البيان على تقبيحه ، وهو الأصل والمثل ، وعليه الاعتماد والمعوّل في تحسين كل حسن ، وتزيين كلّ مزيّن ، وأوّل ما يقع في النفوس إذا أريد المبالغة في الوصف بالجمال ، والبلوغ فيه غاية الكمال ، فيقال : " وجه كأنه القمر " ، و " كأنه فلقة قمر " ، ذلك لثقته بأنّ هذا القول إذا شاء سحر ، وقلب الصور ، وأنه لا يهاب أن يخرق الإجماع ، ويسحر العقول ويقتسر الطباع ، وهو " 1 " : [ من الكامل ]
يا سارق الأنوار من شمس الضّحى * يا مثكلي طيب الكرى ومنغّصي أمّا ضياء الشمس فيك فناقص * وأرى حرارة نارها لم تنقص لم يظفر التشبيه منك بطائل ، * متسلّخ بهقا كلون الأبرص
وقد علم أن ليس في الدنيا مثلة أخزى وأشنع ، ونكال أبلغ وأفظع ، ومنظر أحق بأن يملأ النفوس إنكارا ، ويزعج القلوب استفظاعا له واستنكارا ، ويغري الألسنة بالاستعاذة من سوء القضاء ، ودرك الشقاء ، من أن يصلب المقتول ويشبّح في الجذع ، ثم قد ترى مرثية أبي الحسن الأنباري لابن بقيّة حين صلب ، وما صنع فيها من السّحر ، حتى قلب جملة ما يستنكر من أحوال المصلوب إلى خلافها ، وتأوّل
هامش
( 1 ) الأبيات تحت عنوان " سارق الأنوار " ، وسارق الأنوار هنا : القمر ، والبهق بالفتح : بياض دقيق يعتري ظاهر البشرة . راجع ديوان ابن المعتز ص 286 .