تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
فقد عرفت قضيّة الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها والإعظام لها . كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور ، ويشكّله من البدع ، ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهّم بها الجماد الصامت في صورة الحيّ الناطق ، والموات الأخرس في قضية الفصيح المعرب والمبيّن المميّز ، والمعدوم المفقود في حكم الموجود المشاهد ، كما قدّمت القول عليه في باب التمثيل ، حتى يكسب الدنيّ رفعة ، والغامض القدر نباهة . وعلى العكس يغضّ من شرف الشريف ، ويطأ من قدر ذي العزّة المنيف ، ويظلم الفضل ويتهضّمه ، ويخدش وجه الجمال ويتخوّنه ، ويعطي الشبهة سلطان الحجّة ، ويردّ الحجّة إلى صيغة الشبهة ، ويصنع من المادة الخسيسة بدعا تغلو في القيمة وتعلو ، ويفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع ما ترى به الكيمياء وقد صحّت ، ودعوى الإكسير وقد وضحت ، إلّا أنها روحانية تتلبّس بالأوهام والأفهام ، دون الأجسام والأجرام ، ولذلك قال " 1 " : [ من الطويل ]
يري حكمة ما فيه وهو فكاهة * ويقضي بما يقضي به وهو ظالم
وقال : [ من الطويل ]
عليم بإبدال الحروف وقامع * لكلّ خطيب يقمع الحقّ باطله
وقال ابن سكّرة فأحسن : [ من مخلع البسيط ]
والشعر نار بلا دخان * وللقوافي رقى لطيفه لو هجي المسك ، وهو أهل * لكل مدح ، لصار جيفه كم من ثقيل المحلّ سام * هوت به أحرف خفيفه
وقد عرفت ما كان من أمر القبيلة الّذين كانوا يعيّرون بأنف الناقة ، حتى قال الحطيئة : [ من البسيط ]
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ، * ومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
فنفى العار ، وصحّح الافتخار ، وجعل ما كان نقصا وشينا ، فضلا وزينا ، وما كان لقبا ونبزا يسوء السمع ، شرفا وعزّا يرفع الطرف ، وما ذاك إلا بحسن الانتزاع ، ولطف القريحة الصّناع ، والذّهن الناقد في دقائق الإحسان والإبداع ، كما كساهم الجمال من حي كانوا عروا منه ، وأثبتهم في نصاب الفضل من حيث نفوا عنه ، فلربّ
هامش
( 1 ) البيت من قصيدة لأبي تمام يمدح فيها أحمد بن أبي دؤاد . راجع ديوانه ص 269 .