وكقوله " 1 " : [ من الكامل ]
واهتزّ في ورق النّدى فتحيّرت * حركات غصن البانة المتأوّد
وكقوله " 2 " : [ من الطويل ]
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة * أقابل بدر الأفق حين أقابله
إلى مسرف في الجود ، لو أنّ حاتما * لديه ، لأمسى حاتم وهو عاذله
فهذا كله في أصله ومغزاه وحقيقة معناه تشبيه ، ولكن كنى لك عنه ، وخودعت فيه ، وأتيت به من طريق الخلابة في مسلك السحر ومذهب التّخييل ، فصار لذلك غريب الشكل ، بديع الفن ، منيع الجانب ، لا يدين لكل أحد ، وأبيّ العطف لا يدين به إلّا للمرويّ المجتهد . وإذا حقّقت النظر ، فالخصوص الذي تراه ، والحالة التي تراها ، تنفي الاشتراك وتأباه ، إنما هما من أجل أنهم جعلوا التشبيه مدلولا عليه بأمر آخر ليس هو من قبيل الظاهر المعروف ، بل هو في حدّ لحن القول والتعمية اللّذين يتعمّد فيهما إلى إخفاء المقصود حتى يصير المعلوم اضطرارا ، يعرف امتحانا واختيارا ، كقوله : [ من الوافر ]
مررت بباب هند فكلّمتني * فلا واللّه ما نطقت بحرف
فكما يوهمك بإتقان اللفظ أنه أراد الكلام ، وأن الميم موصولة باللام ، كذلك المشبّه إذا قال : " سرقن الظباء العيون " ، فقد أوهم أن ثمّ سرقة وأنّ العيون منقولة إليها من الظباء ، وإن كنت تعلم إذا نظرت أنّه يريد أن يقول : إن عيونها كعيون الظباء في الحسن والهيئة وفترة النظر . وكذلك يوهمك بقوله : " إن السحاب لتستحيي " ، أن السحاب حيّ يعرف ويعقل ، وأنه يقيس فيضه بفيض كفّ الممدوح فيخزى ويخجل .
فالاحتفال والصّنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم ، والتخييلات التي تهزّ الممدوحين وتحرّكهم ، وتفعل فعلا شبيها بما يقع في نفس النّاظر إلى التصاوير التي يشكّلها الحذّاق بالتّخطيط والنقش ، أو بالنّحت والنقر . فكما أن تلك تعجب وتخلب ، وتروق وتؤنق ، وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها ، ويغشاها ضرب من الفتنة لا ينكر مكانه ، ولا يخفى شأنه .
هامش
( 1 ) البيت في ديوان البحتري .
( 2 ) البيت في ديوان البحتري .