تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
ومنها ذكر هيئات تدلّ على الصّفة من حيث كانت لا تكون إلا فيمن له الصّفة ، كوصف الرّجل في حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلّة الفكر ، كقوله " 1 " : [ من الطويل ]
كأنّ دنانيرا على قسماتهم * وإن كان قد شفّ الوجوه لقاء
وكذلك الجواد يوصف بالتّهلّل عند ورود العفاة ، والارتياح لرؤية المجتدين ، والبخيل بالعبوس والقطوب وقلّة البشر ، مع سعة ذات اليد ومساعدة الدهر . فأما الاتفاق في عموم الغرض ، فما لا يكون الاشتراك فيه داخلا في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة ، لا ترى من به حسّ يدّعي ذلك ، ويأبى الحكم بأنه لا يدخل في باب الأخذ ، وإنما يقع الغلط من بعض من لا يحسن التحصيل ، ولا ينعم التأمّل ، فيما يؤدّي إلى ذلك ، حتى يدّعى عليه في المحاجّة أنه بما قاله قد دخل في حكم من يجعل أحد الشاعرين عيالا على الآخر في تصوّر معنى الشجاعة ، وأنّها مما يمدح به ، وأن الجهل مما يذمّ به ، فأمّا أن يقوله صريحا ، ويرتكبه قصدا ، فلا . وأمّا الاتفاق في وجه الدّلالة على الغرض ، فيجب أن ينظر ، فإن كان مما اشترك الناس في معرفته ، وكان مستقرّا في العقول والعادات ، فإنّ حكم ذلك ، وإن كان خصوصا في المعنى ، حكم العموم الذي تقدّم ذكره . من ذلك التشبيه بالأسد في الشجاعة ، وبالبحر في السخاء ، وبالبدر في النور والبهاء ، وبالصبح في الظهور والجلاء ونفي الالتباس عنه والخفاء . وكذلك قياس الواحد في خصلة من الخصال على المذكور بذلك والمشهور به والمشار إليه ، سواء كان ذلك ممن حضرك في زمانك ، أو كان ممن سبق في الأزمنة الماضية والقرون الخالية ، لأن هذا مما لا يختص بمعرفته قوم دون قوم ، ولا يحتاج في العلم به إلى رويّة واستنباط وتدبّر وتأمّل ، وإنما هو في حكم الغرائز المركوزة في النفوس ، والقضايا التي وضع العلم بها في القلوب . وإن كان مما ينتهي إليه المتكلّم بنظر وتدبّر ، ويناله بطلب واجتهاد ، ولم يكن كالأوّل في حضوره إياه ، وكونه في حكم ما يقابله الذي لا معاناة عليه فيه ، ولا حاجة به إلى المحاولة والمزاولة والقياس والمباحثة والاستنباط والاستثارة ، بل كان من دونه
هامش
( 1 ) البيت لمحرز بن مكعبر الضّبيّ ، القسمات : مجاري العيون ، وقيل ما بين الحاجبين . وقد فصّلنا القول في هذا البيت فراجعه في كتاب الكامل للمبرّد بتحقيقنا . راجع أيضا لسان العرب مادة : ( قسم ) .