تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وهكذا قوله : [ من الكامل ]
والصّارم المصقول أحسن حالة * يوم الوغى من صارم لم يصقل
احتجاج على فضيلة الشيب ، وأنه أحسن منظرا من جهة التعلق باللون ، وإشارة إلى أن السواد كالصدإ على صفحة السيف ، فكما أن السيف إذا صقل وجلي وأزيل عنه الصّدأ ونقّي كان أبهى وأحسن ، وأعجب إلى الرائي وفي عينه أزين ، كذلك يجب أن يكون حكم الشعر في انجلاء صدأ السواد عنه ، وظهور بياض الصّقال فيه ، وقد ترك أن يفكّر فيما عدا ذلك من المعاني التي لها يكره الشيب ، ويناط به العيب . وعلى هذا موضوع الشعر والخطابة ، أن يجعلوا اجتماع الشيئين في وصف علة لحكم يريدونه ، وإن لم يكن كذلك في المعقول ومقتضيات العقول ، ولا يؤخذ الشاعر بأن يصحّح كون ما جعله أصلا وعلّة كما ادّعاه فيما يبرم أو ينقض من قضيّة ، وأن يأتي على ما صيّره قاعدة وأساسا بيّنة عقلية ، بل تسلّم مقدّمته التي اعتمدها بيّنة ، كتسليمنا أنّ عائب الشيب لم ينكر منه إلّا لونه ، وتناسينا سائر المعاني التي لها كره ، ومن أجلها عيب . وكذلك قول البحتري " 1 " : [ من المنسرح ]
كلّفتمونا حدود منطقكم * في الشّعر يكفي عن صدقه كذبه
أراد كلّفتمونا أن نجري مقاييس الشعر على حدود المنطق ، ونأخذ نفوسنا فيه بالقول المحقّق ، حتى لا ندّعي إلا ما يقول عليه من العقل برهان يقطع به ، ويلجئ إلى موجبه . ولا شك أنه إلى هذا النحو قصد ، وإيّاه عمد ، إذ يبعد أن يريد بالكذب إعطاء الممدوح حظّا من الفضل والسّؤدد ليس له ، ويبلّغه بالصفة حظّا من التعظيم ليس هو أهله ، وأن يجاوز به من الإكثار محلّه ، لأن هذا الكذب لا يبين بالحجج المنطقية ، والقوانين العقلية ، وإنما يكذّب فيه القائل بالرجوع إلى حال المذكور واختباره فيما وصف به ، والكشف عن قدره وخسّته ، ورفعته أو ضعته ، ومعرفة محلّه ومرتبته . وكذلك قول من قال : " خير الشعر أكذبه " ، فهذا مراده ، لأن الشعر لا يكتسب
هامش
( 1 ) البيت للبحتري في ديوانه ، ويروى عجز البيت : في يلغى يكفي عن صدقه كذبه وبعده :والشعر لمح تكفي إشارته * وليس بالهذر طولت خطبه