تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
فكذلك أنت ، هذه قصّتك ، وهذه قضيّتك ، في اقتراحك علينا أن نسلك بالليل في البيت طريق المبالغة على تأويل السّخط . فإن قلت : أفترى أن تأبى هذا التقدير في البيت أيضا حتى يقصر التشبيه على ما تفيده الجملة الجارية في صلة " الذي ؟ " . قلت : إنّ ذلك الوجه فيما أظنّه ، فقد جاء في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " ليدخلنّ هذا الدين ما دخل عليه الليل " ، فكما تجرّد المعنى هاهنا للحكم الذي هو لليل من الوصول إلى كل مكان ، ولم يكن لاعتبار ما اعتبروه من شبه ظلمته وجه ، كذلك يجوز أن يتجرّد في البيت له ، ويكون ما ادّعوه من الإشارة بظلمة الليل إلى إدراكه له ساخطا ، ضربا من التعمّق والتطلّب لما لعلّ الشاعر لم يقصده . وأحسن ما يمكن أن ينتصر به لهذا التقدير أن يقال : إن النهار بمنزلة الليل في وصوله إلى كل مكان ، فما من موضع من الأرض إلا ويدركه كلّ واحد منهما ، فكما أن الكائن في النهار لا يمكنه أن يصير إلى مكان لا يكون به ليل ، كذلك الكائن في الليل لا يجد موضعا لا يلحقه فيه نهار ، فاختصاصه الليل دليل على أنه قد روّى في نفسه ، فلما علم أن حالة إدراكه وقد هرب منه حالة سخط ، رأى التمثيل بالليل أولى ، ويمكن أن يزاد في نصرته بقوله : [ من الرمل ]
نعمة كالشّمس لمّا طلعت * بثّت الإشراق في كلّ بلد " 1 "
وذاك أنه قصد هاهنا نفس ما قصده النابغة في تعميم الأقطار ، والوصول إلى كل مكان ، إلّا أن النعمة لما كانت تسرّ وتؤنس ، أخذ المثل لها من الشمس . ولو أنه ضرب المثل لوصول النعمة إلى أقاصي البلاد ، وانتشارها في العباد ، بالليل ووصوله إلى كل بلد ، وبلوغه كلّ أحد ، لكان قد أخطأ خطأ فاحشا ، إلّا أن هذا وإن كان يجيء مستويا في الموازنة ، ففرق بين ما يكره من الشّبه وما يحبّ ، لأن الصفة المحبوبة إذا اتصلت بالغرض من التشبيه ، نالت من العناية بها والمحافظة عليها قريبا مما يناله الغرض نفسه . وأمّا ما ليس بمحبوب ، فيحسن أن يعرض عنها صفحا ، ويدع الفكر فيها . وأما تركه أن يمثّل بالنهار ، وإن كان بمنزلة الليل فيما أراه ، فيمكن أن يجاب عنه بأنّ هذا الخطاب من النابغة كان بالنهار لا محالة ، وإذا كان يكلّمه وهو في
هامش
( 1 ) هو في زيادات ديوان العباس بن الأحنف ، وهو في الوساطة ص 201 ، منسوبا إليه ، وفي المخطوطة ومطبوعة ديتر : " ثبت الإشراق " وفي مطبوعة رشيد رضا والوساطة ما أثبت ( شاكر ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 185 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني