تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
أن تعامل الليل معاملة الأسد في قولك : " رأيت أسدا " ، أعني أن تسقط ذكر الممدوح من البين ، لم تجد له مذهبا في الكلام ، ولا صادفت طريقة توصّلك إليه ، لأنك لا تخلو من أحد أمرين : إمّا أن تحذف الصفة وتقتصر على ذكر الليل مجرّدا فتقول : " إن فررت أظلّني اللّيل " ، وهذا محال ، لأنه ليس في الليل دليل على النكتة التي قصدها من أنه لا يفوته وإن أبعد في الهرب ، وصار إلى أقصى الأرض ، لسعة ملكه وطول يده ، وأنّ له في جميع الآفاق عاملا وصاحب جيش ومطيعا لأوامره يردّ الهارب عليه ويسوقه إليه وغاية ما يتأتّى في ذلك أن يريد أنه إن هرب عنه أظلمت عليه الدنيا ، وتحيّر ولم يهتد ، فصار كمن يحصل في ظلمة الليل . وهذا شيء خارج عن الغرض ، وكلامنا على أن تستعير الاسم ليؤدّى به التشبيه الذي قصد في البيت ولم أرد أنه لا تمكن استعارته على معنى ما ، ولا يصلح في غرض من الأغراض . وإن لم تحذف الصفة ، وجدت طريق الاستعارة فيه يؤدّي إلى تعسّف ، إذ لو قلت : " إن فررت منك وجدت ليلا يدركني ، وإن ظننت أنّ المنتأى واسع والمهرب بعيد " قلت ما لا تقبله الطّباع ، وسلكت طريقة مجهولة ، لأن العرف لم يجر بأن يجعل الممدوح ليلا هكذا . فأمّا قولهم : إن التشبيه بالليل يتضمّن الدّلالة على سخطه ، فإنه لا يفسح في أن يجرى اسم الليل على الممدوح جري الأسد والشمس ونحوهما ، وإنما تصلح استعارة الليل لمن يقصد وصفه بالسّواد والظلمة ، كما قال ابن طباطبا : [ من الطويل ] بعثت معي قطعا من الليل مظلما " 1 " يعني زنجيّا قد أنفذه المخاطب معه حين انصرف عنه إلى منزله . هذا ، وربّما - بل كلما - وجدت ما إن رمت فيه طريقة الاستعارة ، لم تجد فيه هذا القدر من التمحّل والتكلّف أيضا ، وو هو كقول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " " 2 " ، قل الآن من أيّ جهة تصل إلى الاستعارة هاهنا ، وبأيّ ذريعة تتذرّع إليها ؟ هل تقدر أن تقول : " رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة " في معنى : " رأيت ناسا " أو " الإبل المائة التي لا تجد فيها راحلة " ، تريد الناس ، كما قلت : " رأيت أسدا " على معنى " رجلا كالأسد " أو " الأسد " ، على معنى : " الذي هو كالأسد ؟ " وكذا قول
هامش
( 1 ) البيت له ولم نجد له ديوانا . ولم نتعرف على تمام البيت . ( 2 ) سبق تخريجه .