تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
بالشيء نوعا من العلم والرأي وما أشبه ذلك من المعاني التي لا يصحّ وجود النور فيها حقيقة ، وإنما توصف به على سبيل التشبيه . وفي الفعل والصفة شيء آخر ، وهو أنك كأنك تدّعي معنى اللّفظ المستعار للمستعار له ، فإذا قلت : " قد أنارت حجّته " ، و " هذه حجّة منيرة " ، فقد ادّعيت للحجّة النور ، ولذلك تجيء فتضيفه إليك ، كما تضاف المعاني التي يشتقّ منها الفعل والصفة إلى الفاعل والموصوف فتقول : " نور هذه الحجّة جلا بصري ، وشرح صدري " ، كما تقول : " ظهر نور الشمس " . والمثل لا يوجب شيئا من هذه الأحكام ، فلا هو يقتضي تردّد اللفظ بين احتمال شيئين ولا أن يدّعى معناه للشيء ، ولكنه يدع اللفظ مستقرّا على أصله . وإذ قد ثبت هذا الأصل ، فاعلم أن هاهنا أصلا آخر يبنى عليه ، وهو أن الاستعارة وإن كانت تعتمد التشبيه والتمثيل وكان التشبيه يقتضي شيئين مشبّها ومشبّها به ، وكذلك التمثيل ، لأنه كما عرفت تشبيه إلا أنه عقليّ فإن الاستعارة من شأنها أن تسقط ذكر المشبّه من البين وتطرحه ، وتدّعي له الاسم الموضوع للمشبّه به ، كما مضى من قولك : " رأيت أسدا " ، تريد رجلا شجاعا و " وردت بحرا زاخرا " ، تريد رجلا كثير الجود فائض الكفّ و " أبديت نورا " ، تريد علما وما شاكل ذلك . فاسم الّذي هو المشبّه غير مذكور بوجه من الوجوه كما ترى ، وقد نقلت الحديث إلى اسم المشبّه به ، لقصدك أن تبالغ ، فتضع اللّفظ بحيث يخيّل أنّ معك نفس الأسد والبحر والنور ، كي تقوّي أمر المشابهة وتشدّده ، ويكون لها هذا الصنيع حيث يقع الاسم المستعار فاعلا أو مفعولا أو مجرورا بحرف الجرّ أو مضافا إليه ، فالفاعل كقولك : " بدا لي أسد " و " انبرى لي ليث " و " بدا نور " و " ظهرت شمس ساطعة " و " فاض لي بالمواهب بحر " ، كقوله " 1 " : [ من الطويل ]
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة * غزال كحيل المقلتين ربيب
والمفعول كما ذكرت من قولك : " رأيت أسدا " ، والمجرور نحو قولك : " لا
هامش
( 1 ) البيت لابن الدمينة في سمط اللآلي لابن عبيد البكري ص 458 ، وفي الأمالي 1 / 187 لأعرابي ، وفي شرح الحماسة 3 / 157 غير معزو ، وهو في ديوان ابن الدمينة في القسم الرابع " صلة الديوان : الزيادات " ص 200 تحقيق أحمد راتب النفاخ . وجرة : موضع بين مكة والبصرة ، ربيب : من الغنم التي تكون في البيت وليست بسائمة ومؤنثها ربيبة وجمعها : ربائب .