تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ولكن لا سبيل إلى جحد أنك تجد الاسم في الكثير وقد وضع موضعا في التشبيه بالكاف ، لو حاولت أن تخرجه في ذلك الموضع بعينه إلى حدّ الاستعارة والمبالغة ، وجعل هذا ذاك ، لم ينقد لك ، كالنكرة التي هي " ماء " في الآية وفي الآية وفي الآي الأخر نحو قوله تعالى :
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
[ البقرة : 19 ] ، ولو قلت : " هم صيّب " ، ولا تضمر " مثلا " البتّة ، على حدّ " هو أسد " لم يجز ، لأنه لا معنى لجعلهم صيّبا في هذا الموضع ، وإن كان لا يمتنع أن يقع " صيّب " في موضع آخر ليس من هذا الغرض في شيء استعارة ومبالغة ، كقولك : " فاض صيّب منه " ، تريد جوده ، و " هو صيّب يفيض " ، تريد مندفق في الجود . فلسنا نقول إن هاهنا اسم جنس واسما صفة لا يصلح للاستعارة في حال من الأحوال . وهذا شعب من القول يحتاج إلى كلام أكثر من هذا ويدخل فيه مسائل ، ولكن استقصاءه يقطع عن الغرض . فإن قلت : فلا بدّ من أصل يرجع إليه في الفرق بين ما يحسن أن يصرف وجهه إلى الاستعارة والمبالغة ، وما لا يحسن ذلك فيه ، ولا يجيبك المعنى إليه ، بل يصدّ بوجهه عنك متى أردته عليه . فالجواب : إنه لا يمكن أن يقال فيه قول قاطع . ولكن هاهنا نكتة يجب الاعتماد عليها والنظر إليها ، وهي أن الشّبه إذا كان وصفا معروفا في الشيء قد جرى العرف بأن يشبّه من أجله به ، وتعورف كونه أصلا فيه يقاس عليه كالنور والحسن في الشمس ، أو الاشتهار والظهور ، وأنّها لا تخفى فيها أيضا وكالطيب في المسك ، والحلاوة في العسل ، والمرارة في الصاب ، والشجاعة في الأسد ، والفيض في البحر والغيث ، والمضاء والقطع والحدّة في السيف ، والنفاذ في السّنان ، وسرعة المرور في السّهم ، وسرعة الحركة في شعلة النار ، وما شاكل ذلك من الأوصاف التي لكل وصف منها جنس هو أصل فيه ، ومقدّم في معانيه فاستعارة الاسم للشيء على معنى ذلك الشّبه تجيء سهلة منقادة ، وتقع مألوفة معتادة . وذلك أنّ هذه الأوصاف من هذه الأسماء قد تعورف كونها أصولا فيها ، وأنها أخصّ ما توجد فيه بها ، فكل أحد يعلم أن أخصّ المنيرات بالنور الشمس ، فإذا أطلقت ودلّت الحال على التشبيه ، لم يخف المراد . ولو أنك أردت من الشمس الاستدارة ، لم يجز أن تدلّ عليه بالاستعارة ، ولكن إن أردتها من الفلك جاز ، فإن قصدتها من الكرة كان أبين ، لأن الاستدارة من الكرة أشهر وصف فيها . ومتى صلحت الاستعارة في شيء ، فالمبالغة فيه أصلح ، وطريقها أوضح ، ولسان الحال فيها أفصح ، أعني أنك إذا قلت :