تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وإذا قد تقرّرت هذه الجملة ، فإذا كان الشبه بين المستعار منه والمستعار له من المحسوس والغرائز والطّباع وما يجري مجراها من الأوصاف المعروفة ، كان حقّها أن يقال إنها تتضمّن التشبيه ، ولا يقال إنّ فيها تمثيلا وضرب مثل . وإذا كان الشّبه عقليا جاز إطلاق التمثيل فيها ، وأن يقال : ضرب الاسم مثلا لكذا ، كقولنا : " ضرب النور مثلا للقرآن " ، و " الحياة مثلا للعلم " . فقد حصلنا من هذه الجملة على أن المستعير يعمد إلى نقل اللفظ عن أصله في اللغة إلى غيره ، ويجوز به مكانه الأصليّ إلى مكان آخر ، لأجل الأغراض التي ذكرنا من التشبيه والمبالغة والاختصار ، والضّارب للمثل لا يفعل ذلك ولا يقصده ، ولكنه يقصد إلى تقرير الشّبه بين الشيئين من الوجه الذي مضى . ثم إن وقع في أثناء ما يعقد به المثل من الجملة والجملتين والثلاث لفظة منقولة عن أصلها في اللغة ، فذاك شيء لم يعتمده من جهة المثل الذي هو ضاربه . وهكذا كان متعاط لتشبيه صريح ، لا يكون نقل اللفظ من شأنه ولا من مقتضى غرضه . فإذا قلت : " زيد كالأسد " ، و " هذا الخبر كالشمس في الشهرة " ، و " له رأي كالسّيف في المضاء " ، لم يكن منك نقل للفظ عن موضوعه . ولو كان الأمر على خلاف ذلك ، لوجب أن لا يكون في الدنيا تشبيه إلا وهو مجاز ، وهذا محال ، لأن التشبيه معنى من المعاني وله حروف وأسماء تدلّ عليه ، فإذا صرّح بذلك ما هو موضوع للدلالة عليه ، كان الكلام حقيقة كالحكم في سائر المعاني ، فاعرفه . واعلم أن اللفظة المستعارة لا تخلو من أن تكون اسما أو فعلا ، فإذا كانت اسما كان اسم جنس أو صفة . فإذا كان اسم جنس فإنك تراه في أكثر الأحوال التي تنقل فيها محتملا متكفّئا بين أن يكون للأصل ، وبين أن يكون للفرع الذي من شأنه أن ينقل إليه . فإذا قلت : " رأيت أسدا " ، صلح هذا الكلام لأن تريد به أنك رأيت واحدا من جنس السّبع المعلوم ، وجاز أن تريد أنك رأيت شجاعا باسلا شديد الجرأة ، وإنما يفصل لك أحد الغرضين من الآخر شاهد الحال ، وما يتّصل به من الكلام من قبل وبعد . وإن كان فعلا أو صفة ، كان فيهما هذا الاحتمال في بعض الأحوال ، وذلك إذا أسندت الفعل وأجريت الصفة على اسم مبهم يقع على ما يكون أصلا في تلك الصفة وذاك الفعل ، وما يكون فرعا فيهما ، نحو أن تقول : " أنار لي شيء " و " هذا شيء منير " . فهذا الكلام يحتمل أن يكون " أنار " و " منير " فيه واقعين على الحقيقة ، بأن تعني بالشيء بعض الأجسام ذوات النور وأن يكونا واقعين على المجاز ، بأن تريد