تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
قد مضى في " الاستعارة " أن حدّها يكون للّفظ اللّغوي أصل ، ثم ينقل عن ذلك الأصل على الشرط المتقدم . وهذا الحدّ لا يجيء في الذي تقدّم في معنى التمثيل ، من أنه الأصل في كونه مثلا وتمثيلا ، وهو التشبيه المنتزع من مجموع أمور ، والذي لا يحصّله لك إلا جملة من الكلام أو أكثر ، لأنك قد تجد الألفاظ في الجمل التي يعقد منها جارية على أصولها وحقائقها في اللغة . وإذا كان الأمر كذلك ، بان أنّ " الاستعارة " يجب أن تقيد حكما زائدا على المراد بالتمثيل ، إذ لو كان مرادنا بالاستعارة هو المراد بالتمثيل ، لوجب أن يصحّ إطلاقها في كل شيء يقال فيه إنه تمثيل ومثل . والقول فيها أنّها دلالة على حكم يثبت للّفظ ، وهو نقله عن الأصل اللغويّ وإجراؤه على ما لم يوضع له . ثم إن هذا النقل يكون في الغالب من أجل شبه بين ما نقل إليه وما نقل عنه . وبيان ذلك ما مضى من أنك تقول : " رأيت أسدا " ، تريد رجلا شبيها به في الشجاعة و " ظبية " تريد امرأة شبيهة بالظبية . فالتشبيه ليس هو " الاستعارة " ولكن الاستعارة كانت من أجل التشبيه ، وهو كالغرض فيها ، وكالعلّة والسبب في فعلها . فإن قلت : كيف تكون الاستعارة من أجل التشبيه ، والتشبيه يكون ولا استعارة ؟ وذلك إذا جئت بحرفه الظاهر فقلت : " زيد الأسد ؟ " . فالجواب : أن الأمر كما قلت ، ولكنّ التشبيه يحصل بالاستعارة على وجه خاصّ وهو المبالغة . فقولي : " من أجل التشبيه " ، أردت به من أجل التشبيه على هذا الشرط ، وكما أن التشبيه الكائن على وجه المبالغة غرض فيه وعلّة ، كذلك الاختصار والإيجاز غرض من أغراضها . ألا ترى أنك تفيد بالاسم الواحد الموصوف والصفة والتشبيه والمبالغة ، لأنك تفيد بقولك : " رأيت أسدا " ، أنك رأيت شجاعا شبيها بالأسد ، وأنّ شبهه به في الشجاعة على أتمّ ما يكون وأبلغه ، حتى إنه لا ينقص عن الأسد فيها . وإذا ثبت ذلك ، فكما لا يصحّ أن يقال : " إن الاستعارة هي الاختصار والإيجاز على الحقيقة ، وأنّ حقيقتها وحقيقتهما واحدة " ، ولكن يقال : إن الاختصار والإيجاز يحصلان بها ، أو هما غرضان فيها ، ومن جملة ما دعا إلى فعلها ، كذلك حكم التشبيه معها . فإذا ثبت أنها ليست التشبيه على الحقيقة ، كذلك لا يكون التمثيل على الحقيقة ، لأن التمثيل تشبيه إلا أنه تشبيه خاصّ ، فكلّ تمثيل تشبيه ، وليس كلّ تشبيه تمثيلا .