تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
أردت . ولئن كان المتنبي قد زاد على الأوّل ، فليس تلك الزيادة من حيث وضع الشبه على تركيب شكلين ، ولكن من جهة أخرى ، وهي الإغراق في الوصف بالنحول وجمع ذلك للخلّين معا ، ثم إصابة مثال له ونظير من الخطّ . فاعرف ذلك ، ولا تظنّ أن قصدي المفاضلة بين البيتين من حيث القول في السابق والمسبوق ، والأخذ والسرقة ، فتحسب أني خالفت القاضي فيما حكم به .

فصل هذا فنّ غير ما تقدّم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل

اعلم أنّي قد عرّفتك أن كل تمثيل تشبيه ، وليس كل تشبيه تمثيلا ، وثبتّ وجه الفرق بينهما . وهذا أصل إذا اعتبرته وعرضت كلّ واحد منهما عليه فوجدته يجيء في التشبيه مجيئا حسنا ، وينقاد القياس فيه انقيادا لا تعسّف فيه ، ثم صادفته لا يطاوعك في التمثيل تلك المطاوعة ، ولا يجري في عنان مرادك ذلك الجري ظهر لك نوع من الفرق والفصل بينهما غير ما عرفت ، وانفتح منه باب إلى دقائق وحقائق ، وذلك جعل الفرع أصلا والأصل فرعا ، وهو إذا استقريت التشبيهات الصريحة وجدته يكثر فيها . وذلك نحو أنهم يشبّهون الشيء فيها بالشيء في حال . ثم يعطفون على الثاني فيشبّهونه بالأول ، فترى الشيء مشبّها مرّة ، ومشبّها به أخرى . فمن أظهر ذلك أنك تقول في النجوم : " كأنها مصابيح " ، ثم تقول في حالة الأخرى في المصابيح : " كأنها نجوم " ومثله في الظهور والكثرة تشبيه الخدّ بالورد ، والورد بالخدّ وتشبيه الرّوض المنوّر بالوشي المنمنم ونحو ذلك ، ثم يشبّه النقش والوشي في الحلل بأنوار الرياض وتشبّه العيون بالنرجس ، ثم يشبّه النرجس بالعيون ، كقول أبي نواس : [ من الطويل ]
لدى نرجس عضّ القطاف كأنّه * إذا ما منحناه العيون عيون " 1 "
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه ص 325 ، وقبله :كأن سطورا فوقها حميرية * تكاد وإن طال الزمان تبينوالبيت في الديوان يروى " أرى نرجسا " بدلا من " لدى نرجس " .