تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وإنما اشترطت عليك هذا الشرط لأنه لا يمتنع أن يسبق الأوّل إلى تشبيه لطيف بحسن تأمّله ويدل على ذكائه وحدّة خاطره ، ثم يشيع ويتّسع ، ويذكر ويشهر حتى يخرج إلى حد المبتذل ، وإلى المشترك في أصله ، وحتى يجري مع دقة تفصيل فيه مجرى المجمل الذي تقوله الوليدة الصغيرة والعجوزة الورهاء ، فإنك تعلم أن قولنا : " لا يشقّ غباره " الآن في الابتذال كقولنا : " لا يلحق ولا يدرك " ، و " هو كالبرق " ونحو ذلك ، إلّا أنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا أنه لم يكن كذلك من أصله ، وأن هذا الابتذال أتاه بعد أن قضى زمانا بطراءة الشباب وجدّة الفتاء وبعزّة المنيع ، ولو قد منعك جانبه وطوى عنك نفسه ، لعرفت كيف يشقّ مطلبه ويصعب تناوله . ومثل هذا وأظهر منه أمرا أنّ قولنا : " أمّا بعد " ، منسوب في الأصل إلى واحد بعينه ، وإن كان الآن في البذلة كقولنا : " هذا بعد ذاك " ، مثلا . وهذا الحكم في الطرق التي ابتدأها الأوّلون ، والعبارات التي لخّصها المتقدمون ، والقوانين التي وضعوها حتى صارت في الاشتراك كالشئ المشترك من أوّله ، والمبتذل الذي لم يكن الصّون من شأنه ، والمبذول الذي لم يعترض دونه المنع في شيء من زمانه ، وربّ نفيس جلب إليك من الأمكنة الشاسعة ، وركب فيه النّوى الشطون ، وقطع به عرض الفيافي ، ثم أخفى عنك فضله حتى جهلت قدره أن سهل مرامه ، واتسع وجوده ، ولو انقطع مدده عنك حتى تحتاج إلى طلبه من مظنّته ، لعلمت إحسان الجائي به إليك ، والجالب المقرّب نيله عليك ، ولأكثرت من شكره بعد أن أقللت ، وأخذت نفسك بتلافي ما أهملت . وكذلك ربّ شيء نال فوق ما يستحقّه من شغف النفوس به ، وأكثر مما توجبه المنافع الراجعة إليه ، لأنه لا يتسع اتّساع الأوّل الذي فوائده أعمّ وأكثر ، ووجود العوض عنه عند الفقد أعسر ، فكسبت عزّة الوجود هذا عزّا لم يستحقّه بفضله ، كما منعت سعته الآخر فضلا هو ثابت له في أصله . ويتصل بهذا الموضع حديث عبد الرحمن بن حسّان ، وذلك أنه رجع إلى أبيه حسّان وهو صبيّ ، يبكي ويقول : " لسعني طائر " ، فقال حسان : " صفه يا بنيّ " ، فقال : " كأنه ملتفّ في بردى حبرة " ، وكان لسعه زنبور ، فقال حسّان : " قال ابني الشّعر وربّ الكعبة ! " أفلا تراه جعل هذا التشبيه مما يستدلّ به على مقدار قوّة الطبع ، ويجعل عيارا في الفرق بين الذهن المستعدّ للشعر وغير المستعدّ له ، وسرّه