تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وتموّج الشعاع ، وكونه في صورة حركات من جوانب الدائرة إلى وسطها . وهذه صفة لا تقوم في نفس الرائي المرآة الدائمة الاضطراب ، إلّا أن يستأنف تأمّلا ، وينظر متثبّتا في نظره متمهلا . فكأن هاهنا هيئتين كلتاهما من هيئات الحركة : إحداهما : حركة المرآة على الخصوص الذي يوجبه ارتعاش اليد والثانية : حركة الشعاع واضطرابه الحادث من تلك الحركة ، وإذا كان كون المرآة في يد الأشلّ مما يرى نادرا ، ثم كانت هذه الصفة التي هي كائنة في الشّعاع ، إنما ترى وتدرك في حال رؤية حركة المرآة بجهد وبعد استئناف إعمال للبصر ، فقد بعدت عن حدّ ما تعتاد رؤيته مرّتين ، ودخلت في النادر الذي لا تألفه العيون من جهتين ، فاعرفه . واعلم أنه كما تعتبر هيئة الحركة في التشبيه ، فكذلك تعتبر هيئة السكون على الجملة وبحسب اختلافه ، نحو هيئة المضطجع وهيئة الجالس ونحو ذلك . فإذا وقع في شيء من هيئات الجسم في سكونه تركيب وتفصيل ، لطف التشبيه وحسن . فمن ذلك قول ابن المعتزّ يصف سيلا " 1 " : [ من المتقارب ]
فلما طغا ماؤه في البلاد * وغصّ فبه كلّ واد صدي ترى الثور في متنه طافيا * كضجعة ذي التاج في المرقد
وكقول المتنبي في صفة الكلب : [ من الرجز ] يقعي جلوس البدويّ المصطلي " 2 " فقد اختصّ هيئة البدويّ المصطلي ، في تشبيه هيئة سكون أعضاء الكلب ومواقعها فيها ، ولم ينل التشبيه حظّا من الحسن ، إلا بأنّ فيه تفصيلا من حيث كان لكل عضو من الكلب في إقعائه موقع خاصّ ، وكان مجموع تلك الجهات في حكم أشكال مختلفة تؤلّف فتجيء منها صورة خاصّة . ومن لطيف هذا الجنس قوله : في صفة المصلوب " 3 " : [ من البسيط ]
كأنه عاشق قد مدّ صفحته * يوم الوداع إلى توديع مرتحل أو قائم من نعاس فيه لوثته * مواصل لتمطّيه من الكسل
هامش
( 1 ) البيتان في ديوانه : وغصّ : غصّ المكان بأهله أي : ضاق بهم ، وأغصّ فلان الأرض علينا أي : ضيقها فغصت بنا أي : ضاقت . المرقد : المضجع ، المرقديّ : الدائم الرقاد . ( 2 ) البيت في ديوانه وتمامه : بأربع مجدولة لم تجدل وهو في الإيضاح ص 216 ، تحقيق د . هنداوي . ( 3 ) البيتان ينسبان للأخيطل : [ محمد بن عبد اللّه بن شعيب ، مولى بني مخزوم ، ويلقب برقوقا ] . كما في مطبوعة د . محمود شاكر ، وفي الإيضاح ص 216 ، تحقيق د . عبد الحميد هنداوي ، وطبقات