تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
حيث يقال : إنه إذا أخذه النعاس فتمطّى ثم خامر النوم ، فإن الهيئة الحاصلة له من جدّه في التمطّي تبقى له فليس ببالغ مبلغ قوله : " مواصل لتمطّيه " . وتقييده من بعد بأنه " من الكسل " ، واحتياطه قبل بقوله : " فيه لوثته " : وشبيه بالأوّل في الاستقصاء قول ابن الرومي " 1 " : [ من الطويل ]
كأنّ له في الجوّ حبلا يبوعه * إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل يعانق أنفاس الرّياح مودّعا * وداع رحيل لا يحطّ له رحل
فاشتراطه أن يكون له بعد الحبل الذي ينهى ذرعه حبل آخر يخرج من بوع الأوّل إليه ، كقوله : " مواصل لتمطّيه من الكسل " ، في استيفاء الشّبه ، والتنبيه على استدامته ، لأنه إذا كان لا يزال يبوع حبلا لم يقبض باعه ولم يرسل يده ، وفي ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتّصال ، فاعرفه . واعلم أن من حقّك أن لا تضع الموازنة بين التشبيهين في حاجة أحدهما إلى زيادة من التأمل على وقتنا هذا ، ولكن تنظر إلى حالهما في قوى العقل ولم تسمع بواحد منهما ، فتعلم أن لو أرادهما مريد ، أو اتّفقا له جميعا ولم يكن قد سمع بواحد منهما أيّهما كان يكون أسهل عليه ، وأسرع إليه ، وأعطى بيديه ، وأيّهما تجده أدلّ على ذكاء من تسمعه منه ، وأرجى لتخرج من يقوله . وذلك أن تقابل بين تشبيه النّجوم بالمصابيح والمصابيح بها ، وبين تشبيه سلّ السيوف بعقائق البرق وتشبيهها بسلّ السيوف ، فإنك تعلم أن الأوّل يقع في نفس الصّبي أوّل ما يحسّ بنفسه ، وأن الثاني لا يجيب إجابته ، ولا يبذل طاعته وكذلك تعلم أنّ تشبيه الثريا بنور العنقود ، لا يكون في قرب تشبيهها بتفتّح النّور وأنّ تشبيه الشمس بالمرآة المجلوّة كما مضى ، يقع في نفس الغرّ المعاميّ والصبيّ ، ولا يقع تشبيهها بالمرآة في كفّ الأشلّ إلا في قلب المميّز الحصيف ، وتشبيهها في حركتها تلك بمرآة تضطرب على الجملة ، من غير أن تجعل في كفّ الأشلّ ، قد يقع لمن لا يقع له بهذا التقييد ، وذلك لما مضى من حاجته إلى الفكرة في حال الشمس ، وأنّ حركتها دائمة متصلة ، ثم طلب متحرّك حركة غير اختيارية ، وجعل حركة المرآة صادرة عن تلك الحركة ومأسورة في حكمها دائما .
هامش
( 1 ) البيتان في ديوانه . يبوعه : باع يبوع بوعا : بسط باعه ، وباع الحبل يبوعه بوعا : مد يديه معه حتى صار باعا ، وقيل : هو مدّكه بباعك كما تقول شبرته من الشّبر .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 140 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني