بكرت تعير الأرض ثوب شباب * رحبيّة محمودة الإسكاب " 1 "
نثرت أوائلها حيا فكأنّه * نقط على عجل ببطن كتاب
وأمّا هيئة الحركة مجرّدة من كل وصف يكون في الجسم ، فيقع فيها نوع من التركيب ، بأن يكون للجسم حركات في جهات مختلفة ، نحو أنّ بعضها يتحرك إلى يمين والبعض إلى شمال ، وبعض إلى فوق وبعض إلى قدّام ونحو ذلك . وكلما كان التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشدّ ، كان التركيب في هيئة المتحرّك أكثر ، فحركة الرّحا والدّولاب وحركة السهم لا تركيب فيها ، لأن الجهة واحدة ، ولكن في حركة المصحف في قوله :
فانطباقا مرّة وانفتاحا تركيب ، لأنه في إحدى الحالتين يتحرك إلى جهة غير جهته في الحالة الأخرى .
فمما جاء في التشبيه معقودا على تجريد هيئة الحركة ، ثم لطف وغرب لما فيه من التفصيل والتركيب ، قول الأعشى يصف السفينة في البحر وتقاذف الأمواج بها : [ من الكامل ]
تقص السفين بجانبيه كما * ينزو الرّباح خلا له كرع " 2 "
" الرّباح " الفصيل ، وقيل : القرد . و " الكرع " ماء السماء . شبّه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه . وذلك أن الفصيل إذا نزا ، ولا سيما في الماء ، وحين يعتريه ما يعتري المهر ونحوه من الحيوانات التي هي في أوّل النّشء ، كانت له حركات متفاوتة تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة ، ويكون هناك تسفّل وتصعّد على غير ترتيب ، وبحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى ، فلا يتبيّنه الطرف مرتفعا حتى يراه منحطّا متسفّلا ، ويهوي مرّة نحو الرأس ومرّة نحو الذنب ، وذلك أشبه شيء بحال السّفينة وهيئة حركاتها حين يتدافعها الموج .
هامش
( 1 ) البيتان في ديوانه ص 91 وروايتهما :بكرت تعير الأرض لون شبابها * رحبية محمودة التسكاب
نشرت أوائلها حيا ، فكأنه * نقط على عجل بطين كتابرحبية : لعله أراد بها غمامة واسعة الامتداد . وفي نسخة الدكتور محمود شاكر " رجبية " بدل " رحبية " . يعني : مطر شهر رجب .
( 2 ) البيت ليس في ديوانه ، وهو في الإيضاح ص 215 تحقيق د . هنداوي ، وفي نسخة د . محمود شاكر " يقص " بدل " تقص " ، " كرع " بدل " كرع " .