تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
من جوانب الدائرة إلى الوسط ، وحقيقة حالها في ذلك مما لا يكمل البصر لتقريره وتصويره في النفس ، فضلا عن أن تكمل العبارة لتأديته ، ويبلغ البيان كنه صورته . ومثل هذا التشبيه ، وإن صوّر في غير المرآة ، قول المهلّبي الوزير : [ من السريع ]
الشمس من مشرقها قد بدت * مشرقة ليس لها حاجب كأنّها بوتقة أحميت * يجول فيها ذهب ذائب " 1 "
وذلك أنّ الذهب الذائب يتشكل بأشكال البوتقة ، فيستدير إذا كانت البوتقة على النار ، فإنه يتحرّك فيها حركة على الحدّ الذي وصفت لك ، طبع الذهب من النّعومة ، وفي أجزائه من شدة الاتصال والتلاحم ، يمنعه أن يقع فيه غليان على الصفة التي تكون في الماء ونحوه ، مما يتخلله الهواء فيرتفع وسطه ارتفاعا شديدا ، ولكن جملته كأنها تتحرك بحركة واحدة ، ويكون فيها ما ذكرت من انبساط إلى الجوانب ، ثم انقباض إلى الوسط ، فاعرفه . ومن عجيب ما جمع فيه بين الشكل وهيئة الحركة ، قول الصنوبري : [ من الرجز ]
كأنّ في غدرانها * حواجبا ظلّت تمط " 2 "
أراد ما يبدو في صفحة الماء من أشكال كأنصاف دوائر صغار ثم إنك تراها تمتدّ امتدادا ينقص من انحنائها وتحدّبها ، كما تباعد بين طرفي القوس وتثنيهما إلى ناحية الظهر ، كأنك تقرّبها من الاستواء وتسلبها بعض شكل التقوّس ، الذي هو إقبال أحد طرفيها على الآخر . ومتى حدثت هذه الصفة في تلك الأشكال الظاهرة على متون الغدران ، كانت أشبه شيء بالحواجب إذا مدّت ، لأن الحاجب لا يخفى تقويسه ، ومدّه ينقص من تقويسه . ومن لطيف ذلك أيضا : أعني الجمع بين الشكل وهيئة الحركة ، قول ابن المعتزّ يصف وقوع القطر على الأرض : [ من الكامل ]
هامش
( 1 ) البيتان للوزير المهلبي وهو أبو محمد الحسن بن محمد من ذرية المهلب بن أبي صفرة ، كان شاعرا وكاتبا ووزيرا لمعز الدولة البويهي ، ومدبرا لأموره في العراق ، توفي سنة 362 . وهما في الإيضاح ص 214 ، تحقيق د . هنداوي ، وأوردهما الرازي في الإيجاز ص 225 ، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص 181 ، والعلوي في الطراز 1 / 355 ، ومفتاح العلوم ص 443 تحقيق د . هنداوي . ( 2 ) البيت للصنوبري هو أحمد بن محمد الحلي ، من شعراء الشام الوصافين في العصر العباسي ، والبيت في ديوانه من قصيدة طويلة ، وفي الإيضاح تحقيق د . هنداوي .