تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
الأول ينقص عن الثاني شيئا ، وذلك أن السواد الذي في باطن الآذريونة الموضوع بإزاء الغالية والمسك ، فيه أمران : أحدهما : أنه ليس بشامل لها ، والثاني : أن هذا السواد ليس صورته صورة الدّرهم في قعرها ، أعني أنه لم يستدر هناك ، بل ارتفع من قعر الدائرة حتى أخذ شيئا من سمكها من كلّ الجهات ، وله في منقطعة هيئة تشبه آثار الغالية في جوانب المدهن ، إذا كانت بقيّة بقيت عن الأصابع . وقوله : " في قرارتها مسك " يبيّن الأمر الأوّل ، ويؤمن من دخول النقص عليه ، كما كان يدخل لو قال : " ككأس عقيق فيها مسك " ، ولم يشترط أن يكون في القرارة . وأمّا الثاني : من الأمرين ، فلا يدلّ عليه كما يدلّ قوله : " بقايا غالية " ، وذلك من شأن المسك والشيء اليابس إذا حصل في شيء مستدير له قعر ، أن يستدير في القعر ولا يرتفع في الجوانب الارتفاع الذي تراه في سواد الأذريونة . وأما الغالية فهي رطبة ، ثم هي تؤخذ بالأصابع ، وإذا كان كذلك ، فلا بدّ في البقيّة منها من أن تكون قد ارتفعت عن القرارة ، وحصلت بصفة شبيهة بذلك السواد ، ثم هي لنعومتها ترقّ فتكون كالصبغ الذي لا جرم له يملك المكان ، وذلك أصدق للشّبه . ومن أبلغ الاستقصاء وعجيبه قول ابن المعتز : [ من الطويل ]
كأنّا وضوء الصّبح يستعجل الدّجى * نطير غرابا ذا قوادم جون " 1 "
شبّه ظلام الليل حين يظهر فيه الصبح بأشخاص الغربان ، ثم شرط أن تكون قوادم ريشها بيضا ، لأن تلك الفرق من الظلمة تقع في حواشيها ، من حيث تلا معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيّل منها في العين كشكل قوادم إذا كانت بيضا . وتمام التدقيق والسّحر في هذا التشبيه في شيء آخر ، وهو أن جعل ضوء الصبح ، لقوّة ظهوره ودفعه لظلام الليل ، كأنه يحفز الدجى ويستعجلها ولا يرضى
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه ص 440 طبعة دار صادر ، وقبله :فجاءت بها في كأسها ذهبيّة * لها حدق لم تتصل بجفونوالبيت في الإيضاح ص 234 ، تحقيق د . هنداوي . القوادم : قوادم ريش الطائر : ضد خوافيها ، الواحدة : قادمة وخافية . ابن سيدة : القوادم : أربع ريشات في مقدم الجناح ، والواحدة : قادمة ، وهي القدامى ، والمناكب اللواتي بعدهن إلى أسفل الجناح والخوافي ما بعد المناكب ، والأباهر من بعد الخوافي . والجون : الأبيض . وأيضا الأسود المشرب حمرة . فهو من الأضداد .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 132 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني