تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
منها بأن تتمهّل في حركتها . ثم لما بدأ بذلك أوّلا اعتبره في التشبيه آخرا فقال : " نطير غرابا " ، ولم يقل : " غراب يطير " مثلا ، وذلك أن الغراب وكلّ طائر إذا كان واقعا هادئا في مكان ، فأزعج وأخيف وأطير منه ، أو كان قد حبس في يد أو قفص فأرسل ، كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه وأعجل وأمدّ له وأبعد لأمده ، فإنّ تلك الفزعة التي تعرض له من تنفيره ، أو الفرحة التي تدركه وتحدث فيه من خلاصه وانفلاته ، ربما دعته إلى أن يستمرّ حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى أن يستمرّ حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى حيث لا تراه العيون ، وليس كذلك إذا طار عن اختيار ، لأنه يجوز حينئذ أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأوّل ، وأن لا يسرع في طيرانه ، بل يمضي على هينته ، ويتحرّك حركة غير المستعجل ، فاعرفه . ومما حقّه أن يكون على فرط الاستقصاء في التشبيه وفضل العناية بتأكيد ما بدئ به ، قول أبي نواس في صفة البازي : [ من الرجز ]
كأنّ عينيه إذا ما أتأرا * فصّان قيضا من عقيق أحمرا في هامة غلباء تهدي منسرا * كعطفة الجيم بكفّ أعسرا " 1 "
أراد أن يشبّه المنقار بالجيم ، والجيم خطّان : الأول : الذي هو مبدأه وهو الأعلى ، والثاني : وهو الذي يذهب إلى اليسار ، وإذا لم توصل فلها تعريق 4 كما لا يخفى ، والمنقار إنّما يشبه الخطّ الأعلى فقط . فلما كان كذلك قال : " كعطفة الجيم " ولم يقل : " كالجيم " ، ثم دقّق بأن جعلها بكف أعسر ، لأن جيم الأعسر قالوا أشبه بالمنقار من جيم الأيمن . ثم إنه أراد أن يؤكّد أنّ الشبه مقصور على الخط الأعلى من شكل الجيم فقال : [ من الرجز ]
يقول من فيها بعقل فكّرا * ولو زادها عينا إلى فاء ورا " 2 "
فاتّصلت بالجيم صارت جعفرا فأراك عيانا أنه عمد في التشبيه إلى الخط الأول من الجيم دون تعريقها ، ودون
هامش
( 1 ) البيتان في ديوانه ص 215 وهما من عدة أبيات قالها أبو نواس في نعت البازي ، وقبلهما :أبرش بطنان الجناح أقمرا * أرقط ضاحي الدفتين أنمرا كأن شدقيه إذا تضورا * صدغان من عرعرة تفطراأثأر : أدرك ثأره ، قضّا : شقا . المنسر : منقار البازي . ( 2 ) البيتان لأبي نواس في ديوانه ص 215 ، وهما من تمام الأرجوزة وتمام البيت الثاني : فالطير يلقاه مدقا مدسرا
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 133 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني