تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران ، وكان لهذه الزيادة التي زادها حظّ من الدقة تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل . وذلك أنّا وإن قلنا إن هذه الزيادة وهي إفادة هيئة السيوف في حركاتها إنما أتت في جملة لا تفصيل فيها ، فإنّ حقيقة تلك الهيئة لا تقوم في النّفس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة ، وذلك أن تعلم أنّ لها في حال احتدام الحرب ، واختلاف الأيدي بها في الضرب ، اضطرابا شديدا ، وحركات بسرعة . ثم إن لتلك الحركات جهات مختلفة ، وأحوالا تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض ، وأنّ السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل ، ويقع بعضها في بعض ويصدم بعضها بعضا ، ثم أن أشكال السيوف مستطيلة . فقد نظم هذه الدّقائق كلها في نفسه ، ثم أحضرك صورها بلفظة واحدة ، ونبّه عليها بأحسن التنبيه وأكمله بكلمة ، وهي قوله : " تهاوى " ، لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها ، وكان لها في تهاويها تواقع وتداخل . ثم إنها بالتهاوي تستطيل أشكالها ، فأمّا إذا لم تزل عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة . ويشبه هذا الموضع في زيادة أحد التشبيهين مع أن جنسهما جنس واحد ، وتركيبهما على حقيقة واحدة بأنّ في أحدهما فضل استقصاء ليس في الآخر ، قول ابن المعتزّ في الآذريون " 1 " : [ من الطويل ]
وطاف بها ساق أديب بمبزل * كخنجر عيّار صناعته الفتك وحمّل آذريونة فوق أذنه * ككأس عقيق في قرارتها مسك
مع قوله " 2 " : [ من الرجز ]
مداهن من ذهب * فيها بقايا غالية
هامش
( 1 ) البيت الأول في ديوانه ص 353 ، طبعة دار صادر وقبله :فقد خفيت من صفوها ، فكأنها * بقايا يقين كاد يدركه الفتكوالبيت الثاني في الإيضاح تحقيق د . هنداوي ص 237 . والكلام في الخمر ، والمنزل : كمنبر وما يصفى به الشراب . الآذريون : ورد له أورق حمر في وسطه سواد . ( 2 ) البيت في ديوانه ، وقبله :سقيا الروضات لنا * من كل نور حاليه عيون آذريونها * للشمس فيها كاليهوالبيت في الإيضاح ص 237 تحقيق د . هنداوي . والمداهن : جمع مدهن ، بالضم لا غير : وهو آلة الدهن ، وهو أحد ما شذّ من هذا الضرب على مفعل مما يستعمل من الأدوات .