تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علل البناء والإعراب — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
والثالث : أنّ تكون بمعنى البدل كقوله تعالى :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
[ التوبة : 38 ] أي : بدلا من الآخرة وموضعها حال ، ومنه قوله :
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
أي : بدلا منكم . والرابع : أن تكون لبيان الجنس كقوله :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ الحج : 30 ] وهذه أشبه بالتي هي للابتداء ، فأمّا قولك : زيد أفضل من عمرو ف ( من ) فيه لابتداء الغاية والمعنى ابتداء معرفة فضل زيد من معرفة فضل عمرو ، أي : لمّا قيس فضله بفضل عمرو بانت زيادته عليه . والخامس : أن تكون زائدة ، وذلك في غير الواجب نحو : ما جاءني من أحد و
هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ
[ مريم : 98 ] ، وإنّما زيدت هنا للتوكيد فقط ؛ لأن أحدا من أسماء العموم . فأمّا قولك : ما جاءني من رجل ف ( من ) زائدة من وجه لأنّك لو حذفتها لاستقام الكلام وغير زائدة من وجه ؛ لأنها تفيد استغراق الجنس ، ألا ترى أنّك لو حذفتها لنفيت رجلا واحدا كقولك : ما جاءني رجل بل رجلان ، وإذا أثبتّها دللت بذلك على أنّه لم يأتك رجل ولا أكثر . مسألة : لا تجوز زيادة : ( من ) في الواجب وأجازها الأخفش ، ودليلنا أنّ ( من ) حرف والأصل في الحروف أنّها وضعت للمعاني اختصارا من التصريح بالاسم أو الفعل الدالّ على ذلك المعنى كالهمزة ؛ فإنّها تدلّ على استفهام ؛ فإذا قلت : أزيد عندك ؟ أغنت الهمزة عن : ( أستفهم ) وأخذت من المال أي بعضه وما قصد به الاختصار لا ينبغي أن يجيء زائدا ؛ لأن ذلك عكس الغرض ، وإنّما جاز في مواضع لمعنى من تأكيد ونحوه ولا يصحّ ذلك المعنى هنا ألا ترى أنّك لو قلت : ( ضربت من رجل ) لم تكن مفيدا ب ( من ) شيئا بخلاف قولك : ما ضربت من رجل . واحتجّ الآخرون بقوله تعالى :
وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ
[ البقرة : 271 ] و
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
[ نوح : 4 ] والمراد الجميع . والجواب : أنّ ( من ) هنا للتبعيض ، أي : بعض سيئاتكم ؛ لأن إخفاء الصدقّة لا يمحّص كل السيئات ، وأمّا ( من ذنوبكم ) فالتبعيض أيضا ؛ لأن الكافر إذا أسلم قد يبقى عليه ذنب وهو مظالم العباد الدنيويّة أو تكون : ( من ) هنا لبيان الجنس .