وكذلك أيضا قول الآخر :
فاللامعات أسنّة وأسرّة * والمائسات ذوابل وقدود « 1 »
لأن القدود لما كانت مؤخرة وجب أن تكون الأسرة كذلك ، وأن يقدم الأسنة كما قدمت الذوابل ، وأمثال هذا كثيرة .
ومن المناسبة أيضا التناسب في المقدار ، وهذا في الشعر محفوظ بالوزن ، فلا يمكن اختلاف الأبيات في الطول والقصر ، فإن زاحف بعض الأبيات أو جعل الشعر كله مزاحفا حتى مال إلى الإنكسار وخرج من باب الشعر في الذوق كان قبيحا ناقص الطلاوة ، كقصيدة عبيد بن الأبرص :
أقفر من أهله ملحوب « 2 »
وكقول ابن يعفر :
إنا ذممنا على ما خيّلت * سعد بن زيد وعمرا من تميم
وضبّة المشتري العار بنا * وذاك عم بنا غير رحيم
ونحن قوم لنا رماح * وثروة من موال وصميم « 3 »
فإن هذا غير مستحسن لأنه خارج عن أسلوب المنظوم والمنثور ، وإن كان في العروض مستقيما ، وكان الخليل بن أحمد يستحسن بعض الزحاف في الشعر إذا قلّ ، وإذا كثر قبح عنده ، وقال بعض الأدباء : هو مثل اللثغ في الجارية ، يشتهى القليل منه ، وإن كثر هجن وسمج ، فأما الكلام المنثور فالأحسن منه تساوي الفصول في مقاديرها أو يكون الفصل الثاني أطول من الأول ، وعلى هذا أجمع الكتّاب ، وقالوا : لا يجوز أن
هامش
( 1 ) الذوابل : الرماح .
( 2 ) وعجزه : فالقطّبيّات فالذنوب .
( 3 ) الصميم من كل شيء : خالصه ومحضه .