فالستر الأول اقتضى الستر الثاني .
وكذلك قول امرئ القيس :
فإن تكتموا الداء لا نخفه * وإن تقصدوا الذم لا نقصد « 1 »
فإن كل لفظة تقتضي ما بعدها .
فهذا هو الكلام الذي يدل بعضه على بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض ، وإذا أنشدت صدر البيت علمت ما يأتي من عجزه ، فالشعر الجيد أو أكثره على هذا مبنيّ .
وهذا الذي ذكره أبو القاسم رحمه اللّه صحيح ، ويجب أن يقتدى به في هذا الباب ، وقد بين المعاظلة وفرق بينها وبين غيرها من العيوب بالتمثيل الذي ذكره .
فأما الذي قاله من دلالة بعض الكلام على بعض حتى يمكن استخراج قوافيه إن كان شعرا ، ويكون بعض البيت شاهدا لبعض ، فهو من النعوت المحمودة ، وسيأتي الكلام في ذلك مستوفى عند ذكر القوافي والأسجاع بعون اللّه ومشيئته ، وبعض الناس يسمي هذا الفن من الشعر التوشيح ، وبعضهم يسميه التسهيم « 2 » ومثاله قول الشاعر :
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها * فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر « 3 »
وقول عمرو :
وكنت سناما في فزارة تامكا * وفي كلّ حي ذروة وسنام « 4 »
وقوله أيضا :
إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع « 5 »
هامش
( 1 ) شرح « ديوان امرئ القيس » 77 وفيه :فإن تدفنوا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد .( 2 ) نوع من البديع ، يسمى الإرصاد أيضا .
( 3 ) البيت من الطويل وهو لأبي صخر الهذلي في لسان العرب 2 / 156 .
( 4 ) هو لعمرو بن معد يكرب الزبيدي .
( 5 ) البيت لعمرو بن معد بكر ديوانه 145 ، « الأصمعيات » 175 ، « الشعر والشعراء » 335 ، -