فقوله : يا يوم شرّد يوم لهوي لهوه ؛ شديد التعاظل حتى كأنه سلسلة .
ومنه أيضا قول أبي تمام :
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا * خاض الهوى بحري حجاه المزبد « 1 »
وقال أبو القاسم « 2 » : فإن قال قائل : إن هذا الذي أنكرته من تشبث الكلام بعضه ببعض ، وتعلق كل لفظة بما يليها ، وإدخال كلمة من أجل أخرى تشبهها وتجانسها ، هو المحمود من الكلام ، وليس من المعاظلة في شيء ، ألا ترى أن البلغاء والفصحاء لمّا وصفوا ما يستجاد ويستحب من النثر والنظم قالوا : هذا كلام يدل بعضه على بعض ، ويأخذ بعضه برقاب بعض ، قيل : هذا صحيح من قولهم ، ولم يريدوا به هذا الجنس من النظم والنثر ، ولا قصدوا هذا النوع من التأليف ، وإنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في مواقعها ، وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها بمعناها ، إما على الاتفاق أو التضاد حسبما توجبه قسمة الكلام ، وأكثر الشعر هذا سبيله ، وذلك نحو قول زهير « 3 » :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
لأنه لما قال في أول البيت : سئمت ، وقال : ومن يعش ثمانين حولا ، اقتضى أن يكون في آخره : يسأم .
وكذلك قوله :
والسّتر دون الفاحشات وما * يلقاك دون الخير من ستر « 4 »
هامش
( 1 ) « ديوان أبي تمام » 2 / 46 ، من قصيدة في مدح المأمون .
( 2 ) « الموزانة 1 / 297 - 299 .
( 3 ) « ديوان زهير » ، ص 56 ، شرح القصائد العشر 122 ، الكتاب 1 / 445 ، المقتضب 2 / 65 همع الهوامع 2 / 63 ، الدرر اللوامع 2 / 79 لسان العرب ( حول ) .
( 4 ) « ديوان زهير » ص 110 .