تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ومن ذلك أيضا قول أبي تمام :
جذبت نداه غدوة السبت جذبة * فخرّ صريعا بين أيدي القصائد « 1 »
لأن هذا الموضع لا يليق به - جذبت - والممدوح يوصف بأنه أعطى طوعا واختيارا وحبا للكرم وصبابة إلى الإحسان ، وإذا جذب الندى حتى يخرّ صريعا فليس من الطوع بشيء ، إنما ذلك لفظ القسر والغلبة والجبر ، وهذا لا يكون مدحا ، إنما هو صريح الهجو ومحضه . ومن هذا الفن أيضا قوله :
ضعفت جوانح من أذاقته النوى * طعم الفراق فذمّ طعم العلقم « 2 »
لأن دعاءه على من ذم طعم العلقم بالإضافة إلى طعم الفراق بضعف الجوانح كلام موضوع في غير موضعه ، وذكر الحواس التي يضاف إليها الذوق في هذا الموضع أليق ، فأما الجوانح فلا معنى لها ، وقوله : ضعفت ، كلام ضعيف هاهنا . فعلى هذا النحو يكون وضع الألفاظ في غير موضعها على الوجه الذي لا يوافق الاستعارة وحقيقتها ، فتأمله وقس غيره عليه ، فإنك تجده في الكلام كثيرا .

الحشو منافعه وعيوبه

ومن وضع الألفاظ موضعها ألا تقع الكلمة حشوا ، وأصل الحشو أن يكون المقصد بها إصلاح الوزن أو تناسب القوافي وحرف الروى إن كان الكلام منظوما ، وقصد السجع وتأليف الفصول إن كان منثورا ، من غير معنى تفيده أكثر من ذلك . الباب يحتاج إلى شرح وبيان ، وتفصيله أن كل كلمة وقعت هذا الموقع من التأليف فلا تخلو من قسمين : إما أن تكون أثرت في الكلام تأثيرا لولاها لم يكن يؤثر ، أو لم
هامش
( 1 ) « ديوان أبي تمام » 2 / 5 . من قصيدة في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني . ( 2 ) « ديوان أبي تمام » 3 / 249 . من قصيدة في مدح ابن شبانة محمد بن الهيثم .