القسم علقة وكيدة ، لأن إعراب اللفظة تبع لتأليفها من الكلام ، وعلى حكم الموضع الذي وردت فيه ، ولهذه الجملة تفصيل طويل إذا ذكرناه عدلنا عن الغرض المقصود بهذا الكتاب ، وشرعنا في صريح النحو ، ومحض علم الإعراب ، ولذلك كتب موضوعة له ومقصورة عليه ، تغني الناظر فيها عما نذكره في كتابنا هذا ، ويجد ما يبتغيه هناك مستوفى مستقصى ، فإن قال لنا قائل : إني إذا أمعنت النظر ، وأحسنت الفكر ، واعتبرت قول حسان « 1 » :
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم * لا يسألون عن السّواد المقبل
وغيرت الإعراب عن وجهه ، فرفعت المخفوض ، وخفضت المرفوع وأتيت بما لا يسيغه تأويل ، ولا يتوجه في مثله عذر ، وجدت فصاحة هذا البيت على ما كانت عليه وهو جار على القانون العربي ، ومتى اعتبرت باقي الأقسام وجدت الأمر فيه على ما ذكرتموه ، ومخالفة لحكم هذا النوع ، لتأثيرها في الفصاحة ورونق الكلام ، وهذا يوجب عليكم الامتناع من إيراد هذا القسم في الجملة ، والاقتصار على ما تشهد النفوس بصحته ، ويقضي التأمل بتقبله . قيل له : إننا لا ننكر أن يكون بعض ما ذكرناه من الأقسام أظهر من بعض ، وتأثيرها في الفصاحة أوضح وأجلى من غيره ، لكننا على كل حال لا نرضى بالقطع على اختيار الكلام العربي المؤلف والشهادة بحسنه وهو مخالف لما تلفظت به العرب وتواضعت عليه إن كان مواضعة . وفيه وجه آخر من وجوه القبح عندهم ، ولا يكون حسنا حتى تنتفي عنه وجوه القبح في مثله ، على أننا نجد في تغير الكنايات وعدول الضمائر عن النسق في إيرادها ما يزيل شطرا من الفصاحة ، وطرفا من الرونق ، ومن تأمل قول عبيد اللّه بن قيس الرقيات « 2 » :
هامش
( 1 ) البيت من قصيدة يمدح بها الغساسنة وهو في « ديوانه » 123 . و « شرح أبيات سيبويه » 1 / 69 و « همع الهوامع » 2 / 9 ، و « الكتاب » 3 / 19 ، « المصون » 24 ، « دلائل الإعجاز » 303 ، « مغني اللبيب » 129 ، 691 ، « الدرر اللوامع » 2 / 7 ، « شرح الأشموني » 3 / 301 .
( 2 ) البيت من الطويل : « المقاصد النحوية » 3 / 542 ، ولم أقع عليه في ديوانه ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 3 / 342 و « شرح عمدة الحافظ » ص 680 ، وفي المطبوع :فتاتان أما منهما فشبيهة * هلالا وأخرى منهما تشبه البدرا