تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
عاد إلى صحة مزاجه وسلامة طباعه جحده فلم يعترف به ، ونفاه فلم ينسب إليه ، وما أضيف هذا وأمثاله إلا إلى عوز الكمال في الخلقة ، وعموم النقص لهذه الفطرة . وأما قول أبي الطيب :
قبيل أنت أنت وأنت منهم * وجدّك بشر الملك الهمام « 1 »
فقبيح للتكرار وقد زاده قبحا وقوعه بغير فصل . والحروف التي تربط بعض الكلام ببعض وتدل على معنى في غيرها - كما يقول النحويون - يقبح تكررها في الكلام وإن اختلفت ألفاظها ، وذلك لأنها جنس واحد ومشتركة في المعنى ، وإن تميزت فائدة بعضها من بعض ، ومما يسهل الأمر فيها قليلا وقوع الفصل بينهما بكلمة من غيرها ، فإما أن ترد على نحو ما قال أبو الطيب :
وتسعدني في غمرة بعد غمرة * سبوح لها منها عليها شواهد « 2 »
فذلك العيب الذي لا يتوجه عذر فيه . وقد أنكر أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب ما ذكرناه من قبح تكرر حروف الرباطات ، وقال في كتابه - في الخراج وصناعة الكتابة : فأما : له منه ، أو منه عليه ، أو به له ، أو ما جرى هذا المجرى ففيه قبح ، وسبيل ذلك إذا وقع أن يحتال في فصل ما بين الحرفين بكلمة ، مثل أن يأتي ما يحتاج إلى أن يقال فيه : أقمت شهيدا به عليه ، فيقال : أقمت عليه شهيدا به ، ثم قال بعد أوراق يسيرة : وبلغني أنّ المأمون أمر عمرو بن مسعدة يوما أن يكتب لرجل له به عناية ، فأنسي أبو الفرج ما قدّمه ، وسها عمّا أنكره ، وقد كان يمكنه أن يعبر عما قاله أولا ، فيقول : لرجل له عناية به ، ويجب أن يجعل هذا الزلل عذرنا فيما لعلنا نأتي به في هذا الكتاب من لفظة قد أنكرناها وأمرنا بتجنبها ، فإن الإنسان عم عن عيبه ، ولنا بمن ذكرناه أسوة .
هامش
( 1 ) « ديوان المتنبي » ( 1 / 148 ) . ( 2 ) الغمرة : الشدة ، والسبوح : الفرس السريعة . انظر « ديوان المتنبي » ( 2 / 70 ) .