إن أحد الأصول في حسنه وضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازا لا ينكره الاستعمال ولا يبعد فهمه وهذه الجملة تحتاج إلى تفصيل نحن نذكره ونشرحه ونبين أمثلته ، ليقع فهمه والعلم به .
فمن وضع الألفاظ موضعها ألا يكون في الكلام تقديم وتأخير ، حتى يؤدي ذلك إلى فساد معناه وإعرابه في بعض المواضع ، أو سلوك الضرورات حتى يفصل فيه بين ما يقبح فصله في لغة العرب كالصلة والموصول وما أشبههما ، ولهذا أمثلة :
منها قول الفرزدق يمدح إبراهيم بن إسماعيل خال هشام بن عبد الملك « 1 » :
وما مثله في الناس إلا مملّكا * أبو أمه حيّ أبوه يقاربه
ففي هذا البيت من التقديم والتأخير ما قد أحال معناه وأفسد إعرابه لأن مقصوده : وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه ، يعني هشاما ؛ لأن أبا أمه أبو الممدوح .
ومن هذا أيضا قول عروة بن الورد العبسي « 2 » :
قلت لقوم في الكنيف تروّحوا * عشية بتنا عند ماوان رزّح
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم * إلى مستراح من حمام مبرح « 3 »
لأن تقديره : قلت لقوم رزح في الكنيف عشية بتنا عند ماوان تروحوا تنالوا الغنى - ففصل بين الصفة والموصوف والأمر وجوابه .
هامش
( 1 ) البيت من الطويل وهو في « ديوانه » ص 108 ، « معاهد التنصيص » 1 / 16 ، « الخصائص » 1 / 146 ، 329 ، 2 / 393 ، « الكتاب » 1 / 14 ، « دلائل الإعجاز » 56 ، « أسرار البلاغة 26 ، 81 .
( 2 ) البيت من الطويل وهو في « ديوانه » 88 ، « همع الهوامع » 2 / 116 ، « الدرر اللوامع » 2 / 147 ، « شرح ديوان الحماسة » للمرزوقي 464 ، « معجم البلدان » ( ماوان ) .
( 3 ) قوله : أو تبلغوا بنفوسكم إلى مستراح بمعنى : أو تقتلوا .