فقد أنشأ البصريون علوم العربية ، وأسّسوا مبادئها وأصولها ، وتابعهم الكوفيون في التأسيس والتنمية والتعميق ، فكانت جهود كثيرة متفاوتة في النضج والمنازع ، ولّدت اختلاف السّبل وتعدد الأصول وتباين الوسائل والنتائج ، مع وحدة في الغاية والهدف .
ثم جاء الدارسون والمدرسون في بغداد ، منذ أوائل القرن الثالث ، يتسلّمون أزمّة السّبل والوسائل ، ويولّدون لونا متميّزا يجمع ثمرات الجهود المختلفة والبذل الصادق في البحث والدراسة والتقويم . ولذا كانت النزعة إلى التحقيق ، كما أسميناها ، أبرز ما يميز النشاط اللغوي في حاضرة الخلافة العباسية ، حتى أصبحت من خصائص البحث اللغوي البغدادي في تاريخ العرب .
وما نعنيه بالتحقيق هو طلب الحق والصواب ، واستخدام الوسائل العلمية للوصول إليهما ، وإثبات الصحيح والفصيح والقويم ، ولدفع الضعف والإحالة والفساد . فإن تداعى كل ما جاء في المسألة ، من أقوال ، كان للاجتهاد سبيل ونصيب .
وهذا معنى واسع للتحقيق ، يندرج تحته ما عرف من المعاني الاصطلاحية كإثبات المسألة بالدليل ، وتوثيق النص وإخراجه كما أراده صاحبه . وقد رافق هذا المعنى الواسع الدلالة خطوات البحث اللغوي في بغداد ، وصبغها بألوانه حتى أيامنا هذه .
دوافع التحقيق
كان لهذه النزعة البغدادية ، فيما نرى ، دوافع خارجية ، وداخلية نعدّد منها ما يلي :
1 - نفاد الموارد :
خرج علماء البصرة والكوفة إلى البادية العربية الخالصة ، بعد استقرار القرآن الكريم في المصاحف والصدور ، وتدوين الحديث الشريف ، يجمعون اللغة من أفواه