أحدهما : أن ذلك لم يأت عنهم في بيت غير هذا ، فيحمل هذا عليه . فأما ما أنشدوه من قول الآخر :
اضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسّوط قونس الفرس " 1 "
فمدفوع مصنوع عند عامة أصحابنا ، ولا رواية تثبت به .
والآخر : ضعفه وسقوطه في القياس ، وذلك أن التوكيد من مواضع الإطناب " 2 "
والإسهاب ، ولا يليق به الحذف والاختصار ، فإذا كان السماع والقياس جميعا يدفعان هذا التأويل ، وجب إلغاؤه واطّراحه ، والعدول عنه إلى غيره ، مما قد كثر استعماله ، ووضح قياسه .
فهذه أيضا همزة قلبت عن ألف ، أعني همزة أم ، وهي بدل من ألف هي بدل من همزة ، فهذا وإن لطف وطالت صنعته ، أولى من أن تحمل الكلمة على حذف نون التوكيد ، لما فيه من قلّة النظير ، وضعف القياس .
وأنشدنا أبو علي :
بالخير خيرات وإن شرّا فأا * ولا أريد الشّرّ إلا أن تأا " 3 "
والقول في ذلك عندي أنه يريد فأوتأ ، ثم زاد على الألف ألفا أخرى توكيدا ، كما تشبع الفتحة فتصير ألفا كما تقدّم ، فلمّا التقت ألفان ، حرّك الأولى ، فانقلبت همزة .
هامش
( 1 ) البيت ورد بالحاشية ( ص 85 ) رقم ( 1 ) ، وقد انتحله البعض ونسبوه لطرفة بن العبد ، أورد ذلك أبو حاتم عن الأخفش .
( 2 ) الإطناب : في علم المعاني : أن يزيد اللفظ على المعنى لفائدة وهو يقابل الإيجاز .
( 3 ) البيت للقيم بن أوس من بني أبي ربيعة بن مالك . انظر / النوادر لأبي زيد ( ص 126 ) .
وقد خرجه ابن عصفور في " الضرائر " على خلاف تخريج ابن جني ، مما لا يدعو إلى تكلف قال : أراد فأصابك الشر فاكتفى بالفاء والهمزة ، وحذف ما بعدهما وأطلق الهمزة بالألف وأراد بقوله " تأ " تأبى الخير فاكتفى بالتاء والهمزة وحذف ما بعدهما ، وحرك الهمزة بالفتح ، وأطلقها بالألف ، وقد علق البغدادي على تخريج ابن عصفور . انظر / شرح شواهد الشافية ( ص 269 ) وعلى هذا يكون معنى البيت : تثاب بخيرك خيرات كثيرة وإن فعلت شرا أصابك الشر ولا أريد لك الشر إلا أن تريده لنفسك .