تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار العربية — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣

[ حمل النّصب على الجرّ ]

فإن قيل : هل النّصب محمول على الجر ، أو الجرّ محمول على النصب ؟ قيل : النّصب محمول على الجرّ ؛ لأنّ دلالة الياء على الجرّ ، أشبه من دلالتها على النّصب ؛ لأن الياء من جنس الكسرة ، والكسرة في الأصل ، تدلّ على الجرّ ، فكذلك ما أشبهها . فإن قيل : فلم حمل النّصب على الجرّ دون الرّفع ؟ قيل : لخمسة أوجه : الوجه الأوّل : أنّ الجرّ ألزم للأسماء من الرّفع ؛ لأنّه لا يدخل على الفعل ، فلمّا وجب الحمل على أحدهما ، كان حمله على الألزم أولى من حمله على غيره . والوجه الثّاني : أنّهما يقعان في الكلام فضلة ، ألا ترى أنّك تقول : « مررت » فلا تفتقر إلى أن تقول : بزيد أو نحوه ، كما أنّك إذا قلت : رأيت ، فلا تفتقر إلى أن تقول : زيدا ، أو نحوه . والوجه الثّالث : أنّهما يشتركان في الكتابة ؛ نحو : رأيتك ، ومررت بك . والوجه الرّابع : أنّهما يتشركان في المعنى ؛ تقول : مررت بزيد ، فيكون في معنى : جزت زيدا . والوجه الخامس : أنّ الجرّ أخفّ من الرّفع ، فلّما أرادوا الحمل على أحدهما ؛ كان الحمل على الأخفّ أولى من الحمل على الأثقل . ويحتمل - عندي - وجها سادسا « 1 » : وهو أنّ النّصب من أقصى الحلق ، والجرّ من وسط الفم ، والرّفع من الشّفتين ، وكان النّصب إلى الجرّ أقرب من الرّفع ؛ لأنّ أقصى الحلق أقرب إلى وسط الفم من الشّفتين ، فلمّا أرادوا حمل النّصب على أحدهما ؛ كان حمله على الأقرب أولى من حمله على الأبعد ، والجارّ أحقّ بصقبه « 2 » ، والذي يدلّ على اعتبار هذه المناسبة بينهما ، أنّهم لما حملوا النّصب على الجرّ في باب التّثنية والجمع ؛ حملوا الجرّ على النّصب في باب ما لا ينصرف . فإن قيل : فما حرف الإعراب في التّثنية والجمع ؟ قيل : اختلف النّحويّون في ذلك ؛ فذهب سيبويه « 3 » إلى أنّ الألف ، والواو ، والياء ، هي حروف
هامش
( 1 ) في ( ط ) وجه سادس ؛ والصّواب ما أثبتناه من ( س ) . ( 2 ) بصقبه : أي بما جاوره ، وقرب منه . ( 3 ) مرّت ترجمته .