تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
كما هي العادة فيمن ادعى على خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه أن يعيد كلامه على وجهه ، كما إذا قال لك من يحاجك في مسألة : أنت من دأبك كيت وكيت ، فتقول : نعم أنا من دأبي كيت وكيت لكن لا ضير عليّ ولا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت ، فالرسل صلوات اللّه عليهم كأنهم قالوا : إن ما قلتم هو كما قلتم ، لكن ذلك لا يمنع الرسل وفضل اللّه علينا . ( 5 ) ان الأصل في إنما أن تجيء لأمر من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره وإنما يراد تنبيهه فقط ، أو لما هو منزل هذه المنزلة . تفسير هذا أنك تقول للرجل : إنما هو صاحبك القديم ، وإنما هو أخوك ، لمن يعلم ذلك ويعترف به ، لكنك تريد أن تنبهه لما يجب عليه من حرمة الصاحب وحق الأخوة لترققه وتستعطف قلبه ، ألا ترى إلى أبي الطيب حين يقول :
إنما أنت والد والأب القا * طع أحني من واصل الأولاد
لم يرد أن يعلم كافورا أنه لابن الأخشيد مولاه بمنزلة الوالد ، ولا كافور في حاجة إلى أن يعلم بذلك ، لكنه أراد أن يذكره بالأمر المعلوم ليجعله ذريعة إلى استدعاء ما يستوجبه من العطف والحنان ، ونظير ذلك قولهم : إنما يعجل من يخشى الفوت ، وقوله تعالى :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
" 1 " . وأما ما هو منزل هذه المنزلة فكقوله تعالى حكاية عن اليهود :
إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
" 2 " ، فهم قد ادعوا أن اصلاحهم أمر جلي ظاهر ، ولذا جاء الرد عليهم مؤكدا بأن واسمية الجملة وتعريف الخبر باللام وضمير الفصل وتصدير حرف التنبيه حيث قال :
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
" 3 " . ونحو ذلك قول ابن قيس الرقيات في مصعب بن الزبير :
إنما مصعب شهاب من اللّه * تجلت عن وجهه الظلماء
حيث ادعى أن ثبوت هذه الصفة لممدوحه أمر ظاهر ، لا يخفى على أحد ، كما هو دأب الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا الشهرة فيما يصفون به ممدوحهم ، ألا ترى إلى البحتري حين يقول :
لا أدعي لأبي العلاء فضيلة * حتى يسلمها اليه عداه
هامش
( 1 ) سورة الأنعام الآية 36 . ( 2 و 3 ) سورة البقرة الآيتان 11 و 12 .
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 154 | أحمد مصطفى المراغي