تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
فإذا عزمت فتوكل على اللّه ، أي لأن الأصلح لك لا يعلمه إلا اللّه ، لا أنت ، وعلى الحريري في قوله :
لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه * على ما تجلى يومه لا ابن أمسه
ويجتمع مع إنما والتقديم فتقول : إنما محمد مجتهد لا كسلان ، وهو يجتهد لا علي ، لأن النفي فيهما غير مصرح به ، بل المصرح به هو الاثبات ، فلا يقبح تأكيد ما تضمناه والنفي بلا ، بخلاف ما وإلا فإنه قد صرح فيهما بالنفي ، والنفي الصريح ليس كالضمني . ( تنبيه ) لا يحسن العطف بعد إنما إذا كان الوصف مختصا بالموصوف كالتذكر الذي يعلم أنه لا يكون إلا من أولي الألباب في قوله تعالى :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
" 1 " ، فلا يحسن أن تقول : إنما يتذكر أولو الألباب لا الجهال ، كما يحسن أن تقول : إنما يجيء محمد لا علي . ( 4 ) أن الأصل في ( النفي والاستثناء ) أن يكون لأمر ينكره المخاطب أو يشك فيه أو لما هو منزل هذه المنزلة - بيان ذلك أنك لا تقول ما هو إلا مخطى إلا لمن ينكر أن يكون الأمر على ما قلت ، وإذا رأيت شبحا من بعد فقلت : ما هو إلا علي ، لم تقله إلا والمخاطب يتوهم أنه ليس بعلي . وأما ما هو منزل هذه المنزلة فكقوله تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
" 2 " أي مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري والتباعد عن الهلاك ، نزل استفظاعهم هلاكه وشدة حرصهم على بقائه منزلة إنكارهم ذلك . ونظير ذلك قوله تعالى :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
" 3 " ، لأن الكفار جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم . وأما قوله تعالى :
إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
" 4 " ، فمن باب مجاراة الخصم وتسليم بعض مقدماته لتنقطع حجته
هامش
( 1 ) سورة الرعد الآية 19 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 144 . ( 3 ) سورة النحل الآية 58 . ( 4 ) سورة إبراهيم الآية 11 .